عندما تقيم في ولاية أمريكية لفترة غير قصيرة، وتعمل بها، فمن الضروري أن تعرف اسم محافظ الولاية مهما كانت المدينة التي تسكنها، وتعرف أسماء بعض أعضاء الكونجرس، الذين يمثلون الولاية التي أنت فيها، وتعرف بالطبع الاتجاهات السياسية، خصوصا الصراع بين الجمهوريين والديمقراطيين. وكنت أعرف اسم محافظ ولاية ماساشوستش وأتابع أخباره، ضمن اهتمامي بأخبار الحياة الأمريكية من حولي. ولاحظت أنه من المقربين للرئيس الأمريكي الجديد بوش الابن، وكان ذلك هو سبب اختياره سفيرا للولايات المتحدة في كندا، وهو المنصب الذي توليه السياسة الأمريكية عناية خاصة. وقد ترك المحافظ منصبه لمن كانت تنوب عنه، وهي سيدة شابة اسمها جين سويفت، لم تصل الى الأربعين من عمرها بعد، فهي في السادسة والثلاثين على وجه التحديد. ولكنها تتميز بكفاءة لافتة، جعلت المحافظ السابق يؤثرها على غيرها. وأصبحت هذه الشابة التي لم تكمل الأربعين قائمة بعمل المحافظ في الولاية التي تعد المركز الثقافي الأول للولايات المتحدة، والتي تعد قلعة الواسب، وهم الفئة التي لها تميزها التقليدي الخاص في التاريخ الأمريكي. ولكن السيدة جين سويفت كانت حاملا عندما تولت المنصب، وشيئا فشيئا بدأت مظاهر الحمل في الظهور الساطع، من خلال الأثواب الواسعة والبطن الكبيرة التي كانت تبدو وكأنها تحمل توأما. وكنت أعجب لهذه السيدة النشطة التي لم يؤثر فيها الحمل، والتي تنتقل من مكان الى مكان، وتؤدي عملها الشاق بحماسة بالغة. حماسة واضح منها حرصها على دخول معركة الانتخابات المقبلة التي ستحين بعد انتهاء فترة ولاية المحافظ السابق التي تكملها. وقد أوضحت جين سويفت أنها ستدخل معركة انتخابات المحافظ الجديد واثقة من نفسها ومن عملها. ويبدو أنها لكي تثبت ذلك كانت تتحرك بحيوية ونشاط وحماسة ظلت ظاهرة في كل النشرات الاخبارية للقنوات التلفزيونية العديدة لولاية ماساشوستس، أو مدينة بوسطن التي هي مركز الولاية. ولم يكف ممثلو الحزب المعارض عن الهجوم عليها بالطبع، وانتقدوا أنها تنتقل بواسطة طائرة هليوكبتر، وأنها تدرس في جامعة سفوك، وحاولوا تصويرها على أنها تستغل منصبها، ولكن المحافظة الشابة لم تأبه بذلك كله، وظلت تقوم بعملها، وتجذب اليها حماسة سكان الولاية، خصوصا النساء. وسرعان ما كشف الأطباء عن أن المحافظة الشابة حامل في توأم، وأنها بصحة جيدة. وكان حقا منظرا بالغ الطرافة أن يشاهد المرء في البرامج الاخبارية بالتلفزيون جين سويفت وهي تفتتح هذا الشيء أو ذاك، أو تحضر الاجتماعات، وهي في ضخامة الحامل في توأم، وتحاول أن تظل متوثبة بالحيوية، ولكن الشهر الأخير من الحمل كان متعبا، وكان في تعبه فرصة للهجوم على المحافظة الشابة من أجنحة المعارضة، ومن المتطلعين إلى ترشيح أنفسهم لمنصب محافظ الولاية في انتخاباتها المقبلة وساعد المعارضة على المضي في هجومها المتزايد ان جين سويفت دخلت المستشفى لتبقى تحت رعاية الاطباء في مدينة بوسطن عاصمة المحافظة، ولكنها لم تشأ التخلي عن مهامها، فطلبت تركيب جهاز يصلها بقاعة الاجتماعات في مجلس المحافظة، ورأست من فراشها في المستشفى مجموعة من الاجتماعات. وزاد هياج المعارضة، وتزايد الهجوم على المحافظة الشابة، وطالبها المعارضون بالاستقالة من منصب المحافظ، وشككوا في قدرتها على قيادة المحافظة المهمة، مؤكدين أن متاعب الحمل والولادة لا تتناسب ومنصب المحافظ المهم. وكانت حدة المعارك الكلامية حول هذا الأمر جديدة تماما على الحياة السياسية الأمريكية، فقد كانت هذه المرة الأولى التي تحمل فيها امرأة تشغل منصب المحافظ، وتستعد لولادة توأم، وتقيم في مستشفى، وتمارس عملها من سرير المستشفى. وردت المحافظة الشابة على الذين يهاجمونها من سرير المستشفى، وأعلنت انها تؤدي عملها بكفاءة، وان اقامتها في المستشفى لا تؤثر بالسلب على العمل بأي حال من الأحوال. ولم يعجب هذا الدفاع المعارضين فشنوا المزيد من الحملات، ولم يكن مقصدهم دفعها الى الاستقالة فحسب، وانما الحيلولة بينها وترشيح نفسها في الانتخابات المقبلة، وذلك عن طريق تشويه سمعتها الادارية. ولكن كل الهجوم لم يفلح في زعزعة المحافظة العنيدة عن موقفها، وتولت هي الرد على الخصوم. ونسي الخصوم في غمار ذلك أن هجومهم على جين سويفت تجاوز الى الهجوم على المرأة بوجه عام، حتى لو كان ذلك بشكل مباشر، وانهم اثاروا السؤال الحساس هل يمنع الحمل والولادة المرأة من القيام بواجبها في المناصب القيادية. ومس السؤال والهجوم العصب العاري للمرأة الأمريكية. وتطوعت الكثيرات للدفاع عن «المحافظ الحامل» ضد هجوم الرجال الظالم. وبدا واضحا انه لم توجد امرأة في تيار الهجوم على المحافظة. وانقسم الرأي العام حولها الى رأى أغلبية نسائية، تسندها أصوات رجال متعاطفة مع موقف المحافظة، ومع التأكيد على أن الحمل لا يمكن أن يمنع المرأة الحديثة من القيام بواجبها ماظلت بصحة جيدة، وان الرجال الذين ينتمون الى أفكار العصور القديمة عليهم أن يخجلوا من عصبيتهم الذكورية، ويتركوا المحافظة الشابة تؤدي عملها، وتستعد للانجاب في هدوء. ومضت الأيام والنقاش مشتعل. وكان أطرف المواقف هو موقف عضو الكونجرس المعارض الذي كان أقسى المهاجمين للمحافظة جين سويفت. ولم يتوقف عن هجومه الا عندما تولت ابنته نفسها الرد عليه، معلنة انها أم، وأن أمومتها لم تمنعها من ممارسة عملها بالكفاءة نفسها، وأن حمل المرأة وولادتها مسألة لا ينبغي اثارتها مادامت المرأة قادرة على العمل واعترف انني تعاطفت مع أفكار ابنة عضو الكونجرس المعارض، وتأثرت بنبرة الحماسة المخلصة في حجاجها، وتأثرت بعدم ترددها في الاختلاف مع والدها نفسه تأكيدا لحقها وحق النساء في العمل وممارسة العمل العام والمناصب القيادية في الوقت نفسه. وكان طريفا الاستماع الى صوت الابنة ونبراتها الواثقة ورؤية ملامحها التي تبين عن ثقة امرأة بعدالة قضيتها وسلامتها، كما كان طريفا الاستماع الى تعليق والدها، عضو الكونجرس المعارض، وهو الرد الذي بدا مهزوزا، خصوصا بعد أن وضعت الابنة اباها في موقف صعب، واضطرته الى السكوت. وسرعان ما اكتشف المعارضون والخصوم ان هجومهم لم يؤد غرضه، وان التعاطف مع المحافظة الشابة الراقدة على سرير المستشفى تزايد وتزايد، وانها حصلت على شعبية هائلة لم تكن تتمتع بها قبل حملة الرجال الطامعين في منصب المحافظ، واصبحت المحافظة الشابة مادة للكثير من الأحاديث التي تدور على موائد الطعام والحفلات، وبدا واضحا أن الرجال من أمثالي لا يستطيعون الحديث عن المحافظة الشابة الا بالتقدير والاعجاب، والا انهال عليهم سخط النساء الحاضرات واللائي نظرن الى الهجوم على المحافظة بوصفه هجوما عليهن. ومازلت أذكر ملامح وجه أستاذ أمريكي زميل، جرؤ ونحن في حفل عشاء على ابداء رأيه الذي يرفض فيه أن تقوم امرأة حامل بعمل محافظ. فالمنصب خطير ويتطلب تفرغا كاملا وتركيزا مطلقا. وياللهجوم الذي انهمر على الرجل المسكين الذي اتهم بالعداء للمرأة، واتهم بالرجعية والتخلف بعبارات غير مباشرة، وكانت ملامح هذا الزميل المسكين خير حافز على بقية الرجال بالصمت امام منطق النساء، أو تبني موقف النساء وعدم الاعتراض عليه. وفي اثناء ذلك كله حدثت الولادة. وظهرت جريدة (البوسطن جلوب) في صبيحة الاربعاء السادس عشر من مايو الماضي، وهي تحمل في صدارتها الاولى خبر ولادة المحافظة الشابة. وكان المانشيت الرئيسي يقول (ابنتان توأم ومكان في التاريخ لسويفت) وتحت المانشيت في أقصى يسار الصفحة صورة باسمة للمحافظة في تألقها اللافت قبل الولادة، ووجها مرفوع الى السماء وكأنه يتعالى على وجوه الخصوم، وتقول تفاصيل الخبرين جين سويفت القائمة بعمل المحافظ وضعت فتاتين توأم بواسطة عملية قيصرية في مساء الأمس، وأن تلك هي المرة الأولى التي يلد فيها محافظ في تاريخ الأمة الأمريكية اثناء اداء الوظيفة. وذكرت الصحيفة اسم المولودة الأولى وهي لورين ألما هنت التي تزن ستة أرطال، وولدت في تمام الساعة التاسعة واحدى عشرة دقيقة مساء، بينما ولدت بعدها بدقيقة واحدة اختها سارة جين هنت التى تزن خمسة أرطال وأربع أونصات، وأدخلوها العناية المركزة بعد أن لاحظوا انها لا تتنفس بسهولة مثل أختها. وصرحت الطبيبة المولدة ليلى شويلر أن صحة الأم ممتازة، وانها ظلت تؤدي عملها الى أن دخلت غرفة العمليات، وقالت ان الولادة كانت سهلة مع العملية، ولا شيء غير عادي فيها الا حرس الأمن الخاص بالمحافظة. وعندما خرجت المحافظة من غرفة العمليات بعد الولادة اشارت لمساعديها الذين ينتسبون مثلها الى الحزب الجمهوري بعلامة الايجاب(Ok) . وقال المتحدث الصحفي للولاية ان المحافظة جين وزوجها شوك هنت في غاية السعادة. واعلنت المستشفى أن جين سويفت ستستريح لمدة خمسة أيام بالمستشفى وتخرج بعد ذلك. وبالفعل مضت الأيام الخمسة، وخرجت جين سويفت من المستشفى، وصدرت جرائد اليوم التالي تتصدرها صورتها وهي تحمل الوليدتين التوأم، كل واحدة في يد، وبجوارها زوجها السعيد بها. وأعلنت المحافظة أنها ستبدأ اجازة الوضع الخاصة بها في بلدتها (وليامز تاون) مع أهلها واصدقائها، وستتفرغ تماما في الاجازة للعناية بطفلتيها. وظلت صورة الأم والوليدتين التوأم تشغل الأخبار والجرائد الى أن انشغل الرأى العام بشيء جديد، خصوصا وان كل الجامعات الأمريكية ستقوم بحفلات تخرجها ابتداء من الأيام الأخيرة لشهر مايو الذي اقترب من نهايته. وترك الجميع المحافظة تهنأ بأمومتها، لكن الى حين فمازال الخصوم الديمقراطيون في الانتظار.