إذا كانت الولايات المتحدة هي الشريك الاستراتيجي الأول والأكبر لاسرائيل فان وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية يجب أن تكون الشريك الاستراتيجي الأول والأكبر لجهاز الموساد الاسرائيلي. هذه بدهية. ولكن ازاء المشهد الفلسطيني الراهن الذي يسيطر عليه ظل وكالة الاستخبارات الأمريكية طارحة نفسها كوسيط «حيادي» بين اسرائيل والسلطة الفلسطينية فانه يحسن بنا، لكي نستوعب المشهد الحاضر وتداعياته، أن نستعيد إلى الأذهان البعد التاريخي للتحالف الأمريكي الاسرائيلي على الصعيد الاستخباراتي. هذا التحالف تعود جذوره إلى ما قبل قيام دولة اسرائيل عام 1948. ويسجل التاريخ هنا اسم جيمس أنجلتون الذي أسس في أربعينيات القرن الماضي نواة «وكالة الاستخبارات المركزية» الأمريكية تحت اسم «مكتب الخدمات الاستراتيجية». ولان أنجلتون ـ وهو يهودي أصلا ـ ظل طوال السنوات الأخيرة للحرب العالمية الثانية في أوروبا على رأس هذا المكتب الاستخباراتي فان أغلبية العملاء الذين اختارهم للتعاون المعلوماتي مع مكتبه كانوا من اليهود الأوروبيين، وذلك بناء على قناعته بأن اليهود هم الفئة الأوروبية الأكثر استعدادا لهذا التعاون بما انهم كانوا الأشد تضررا من حرب أشعلها النازيون الألمان. وهكذا فإن «وكالة الاستخبارات المركزية» التي انبثقت بعد نهاية الحرب العالمية من «مكتب الخدمات الاستراتيجية» خرجت إلى حيز الوجود كمؤسسة ذات أصول صهيونية. وبالطبع يفترض انه مع تعاظم الوجود الصهيوني في الولايات المتحدة ابتداء من نهاية الحرب العظمى بشقيه الاقتصادي والسياسي اتسع وتعمق النفوذ اليهودي داخل وكالة الاستخبارات. وفي هذا السياق يعتبر عام 1957 محطة تاريخية مهمة. ففي ذلك العام أنشئت للمرة الأولى وحدة خاصة داخل البنية المؤسسية لوكالة الاستخبارات لتكون حلقة للاتصال المنظم بين الوكالة وجهاز الموساد الاسرائيلي من أجل التعاون في الحصول على المعلومات الاستخباراتية عن دول العالم العربي. وهذا بدوره كان تمهيدا لتوقيع اتفاقات رسمية بهذا الشأن بين الولايات المتحدة واسرائيل. وبلغ هذا التعاون أعلى ذراه مع بداية ثورة تكنولوجيا المعلومات العصرية عند بداية ثمانينيات القرن المنصرم. وإلى ان حققت اسرائيل الاكتفاء الذاتي التكنولوجي فإنها ظلت معتمدة على عون أمريكي. ومن ذلك كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية تزود الموساد بصورة منتظمة بما لديها من صور فوتوغرافية ومعلومات سرية تلتقطها الأقمار الصناعية الأمريكية الدائرة في الفضاء الخارجي فوق الدول العربية من المحيط إلى الخليج. وكان الفهم المشترك الذي قام عليه هذا التعاون هو تنبيه اسرائيل مقدما إلى احتمال أي تحركات عسكرية في أي بلد عربي ذات طبيعة حربية. لكن هذا الفهم «الدفاعي» كان مدعوما بفهم هجومي. فالعملية الهجومية الكبيرة التي شنتها طائرات سلاح الجو الاسرائيلي في عام 1981 على العراق وكانت نتيجتها تدمير المفاعل النووي العراقي بالكامل سبقها من الناحية التحضيرية تزويد اسرائيل بصور فوتوغرافية للمجمع النووي العراقي التقطتها أقمار تجسس تابعة للولايات المتحدة. وهكذا عندما يأتي مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جورج تينيت اليوم إلى المنطقة عارضا نفسه كوسيط بين الاسرائيليين والفلسطينيين فانه يحمل معه تراثا من التعاون الاستراتيجي الثابت بين الولايات المتحدة والدولة اليهودية والحركة الصهيونية الأمريكية. إنه يأتي كحليف لرفاقه من قادة الأمن الاسرائيليين ليكون معهم في جبهة واحدة ضد الطرف الفلسطيني.