من البداية كان للانتفاضة الفلسطينية عدة أسباب رئيسية تمثلت في رفض الواقع المزري الذي أرادت اسرائيل والولايات المتحدة أن تفرضاه على الشعب الفلسطيني الى الأبد في صورة اتفاق نهائي يكرس الهيمنة الاسرائيلية على الفلسطينيين في الضفة وغزة، حتى وإن سمحوا لهم بتشكيل دولة فلسطينية عرجاء مقطعة الأوصال في شكل 92 جزيرة مبعثرة تطوقها 120 مستوطنة، وتحول المدن والقرى الفلسطينية الى معازل أشبه بمعازل السود في جنوب افريقيا إبان الحكم العنصري، والتي كان يطلق عليها (النبتوستان) كذلك كان من الأسباب الرئيسية للانتفاضة رفض أي سيطرة اسرائيلية حتى وإن كانت جزئية على المسجد الأقصى باعتباره واحدا من أقدس مقدسات المسلمين التي ينبغي الدفاع عنها حتى الموت. ولكن مع استمرار اشتعال الانتفاضة وتأججها على النحو الذي خرج عن امكانية السيطرة عليها، لا بواسطة اسرائيل رغم كل وسائل البطش والقهر الوحشية التي تستخدمها، ولا بواسطة السلطة الفلسطينية حتى وإن أرادت انهاءها، يمكن أن تضيف هدفا جديدا للفلسطينيين، وهو ألا يسمحوا لشارون أن ينتصر في هذه المعركة مهما بذل الفلسطينيون من أرواح الشهداء ودماء الضحايا وخسائر مادية، لأن عليهم أن يثبتوا للاسرائيليين والعالم كله بأن تعهد شارون بجلب الأمن لاسرائيل بعد أن أصبح رئيسا للوزراء هو مجرد هراء وأوهام، وهو تعهد لن تكون له فرصة التحقيق طالما استمر الاحتلال الاسرائيلي للضفة وقطاع غزة. هذا هو التفسير الذي تقدمه القيادات الفلسطينية لازدياد حدة الانتفاضة منذ جاء شارون للحكم. وفي محاضرة ألقاها الراحل فيصل الحسيني مسئول ملف القدس في السلطة الفلسطينية في وصف ذلك بقوله: (حذار أن نتيح لشارون أن ينتصر أمنيا، لأنه آنذاك سوف ينتصر سياسيا). إن الهدف الفلسطيني ليس فقط أن يثبتوا لاسرائيل عدم وجود حل عسكري للنزاع، وإنما أيضا فرض مطالبهم على مائدة المفاوضات عندما يجئ أوانها، وهي مطالب سبق أن رفضتها الحكومات الاسرائيلية السابقة في عهود رابين وناتنياهو وباراك. وان الفلسطينيين لن تهدأ انتفاضتهم حتى تتحقق لهم أهدافهم في تحرير القطاع والضفة تماما من الاحتلال الاسرائيلي، وازالة جميع المستوطنات واقامة دولتهم وعاصمتها القدس، كما يحرض الفلسطينيين أيضا في ألا ينخدعوا في أوهام السلام التي سبق أن إنخدعوا فيها وأنهوا انتفاضتهم الأولى عام 1988 في اطار مفاوضات أوسلو التي لم يعترف بها أي من باراك وناتنياهو أو شارون، لذلك ستستمر الانتفاضة مشتعلة مهما كانت الوعود الأمريكية والاسرائيلية والأوروبية حتى تتحقق أهدافها كاملة، وهي ثمن أرواح ودماء الشهداء الذين جادوا بأنفسهم رخيصة من أجل ذلك، كما أنها ثمرة جميع التجارب التاريخية للشعب التي أرادت أن تحيا حياة حرة كريمة، وآخرها شعب جنوب افريقيا الذي رغم قرون طويلة من الاستعباد والحكم العنصري، استطاع أن ينال حريته ويفرض ارادته من خلال اصراره على مقاومة الحكم العنصري البغيض رغم قوته وشدة بطشه وتنكيله بالسكان السود أصحاب البلاد الأصليين، ومن قبلها تجربة شعب فيتنام الذي استطاع بقوة ارادته أن يقهر أقوى دولة عظمى في العالم هي الولايات المتحدة، ومن قبل فيتنام كانت تجربة شعب الجزائر الذي قدم مليون شهيد حتى نال حريته واستقلاله من براثن المستعمر الفرنسي الذي جثم على صدر الجزائر عشرات السنين. هذه هي التجارب والدروس التاريخية التي يستلهمها الشعب الفلسطيني في انتفاضته ضد المحتل الاسرائيلي، تغذيها تجربة تاريخية أخرى عظيمة وقعت على أرض فلسطين في القرن الثاني عشر عندما نجح العرب بقيادة صلاح الدين في أن ينهوا الاحتلال الصليبي لفلسطين والشام والذي دام 192 سنة، ويطردوا من تبقى من الصليبيين الى بلادهم. وهذا هو أخشى ما يخشاه شارون الذي يحث جنوده على قتل الأطفال الفلسطينيين حتى لا يظهر منهم في المستقبل صلاح الدين آخر يقضي على اليهود في فلسطين حيث لا بلد آخر يستطيعون اللجوء اليه. لقد أدرك الفلسطينيون جيدا حقيقة مهمة وهي أن سبع سنوات من المفاوضات المضنية منذ اتفاقية أوسلو مرورا بمفاوضات واشنطن والقاهرة وواي ريفر وشرم الشيخ وكامب ديفيد، وفي اطار مشاركة أمريكية كاملة لم تحقق لهم شيئا حتى مما نصت عليه أوسلو والاتفاقيات الأخرى التي وقعت، بل زاد حجم المستوطنات التي أقامتها الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة بما فيها حكومات حزب العمل، هذا عندما يكون الفلسطينيون هادئين، ثم عندما ينتفضون رفضا واحتجاجا على هذا الخداع والتضليل والامعان من جانب اسرائيل في اذلال الشعب الفلسطيني، يقطع الاسرائيليون المفاوضات، بل ويعترف شارون بأنه غير مستعد لبحث الاتفاق النهائي، وأنه يريد التقدم ببطء باتفاقيات مرحلية، هذا مع اشتراطه هدوء الفلسطينيين، وحيث يعدهم شارون بدولة كسيحة عرجاء على 42% فقط من أراضيهم، ولا حديث عن القدس التي ينبغي في عقيدة شارون وخطته أن تستمر تحت السيطرة الأبدية لاسرائيل، ولا حديث عن المستوطنات التي ينبغي في مفهومه أيضا أن يستمر التوسع فيها لكي تكون مستعدة لاستيعاب مليون مهاجر يهودي جدد حتى عام 2005، وهو الهدف المباشر الذي يسعى له شارون حاليا، ولكن من الممكن لاسرائيل أن تساعد الفلسطينيين على زراعة الطماطم والموالح!! إن الاحباط العميق الذي عاناه الفلسطينيون طوال سنوات الاحتلال الماضية، خاصة السبع سنوات الأخيرة التي دارت فيها المفاوضات في حلقة مفرغة، ولم يجنوا في المقابل أي شئ جعلهم على استعداد للتضحية بأغلى ما يملكون وهو أرواحهم في سبيل غدا أفضل لابنائهم، وهذا حقهم الذي لا يستطيع أحد أن ينكره عليهم، وهم على يقين من أن الدماء التي يبذلونها اليوم سيكون لها ثمن في المستقبل تجنيه الأجيال القادمة حرية واستقلالا. وإذا كان الاسرائيليون قد أجبروا على الانسحاب من جنوب لبنان بسبب أقل من ثلاثين قتيلا اسرائيليا سنويا، وهو ما حرك المجتمع الاسرائيلي للضغط على حكومته للانسحاب من هناك، وقد تحقق بالفعل، فلماذا لا تسلك الانتفاضة الفلسطينية نفس السبيل، وتكبد الاسرائيليين في عقر دارهم وداخل مدنهم ومستوطناتهم عشرات ومئات القتلى، ولتثكل قلوب الأمهات و ا لآباء الاسرائيليين، ويذوقوا نفس اللوعة والأسى والمرارة التي يكابدها الآباء والأمهات الفلسطينيات بفقد أبنائهم؟ لقد مضى على الانتفاضة سبعة أشهر، استخدمت فيها اسرائيل جميع أنواع أسلحتها باستثناء القنابل النووية!!، واتبعت كافة الأساليب الوحشية، إلا أن ذلك لم يفد في وضع نهاية للانتفاضة أو الحد منها، بل زادتها اشتعالا، وهو ما يعني أن استراتيجية شارون المعروفة بخطة (الـ100 يوم للقضاء على الارهاب) استنفدت نفسها وفشلت في تحقيق أهدافها، وليس لديهم بديل آخر لوقف ما يطلقون عليه أعمال العنف والعمليات الانتحارية المتزايدة، والتي تضرب في (اللحم الحي) للاسرائيليين، وهو ما تسبب في بروز خلافات بين السياسيين في الحكومة وبين رئاسة الأركان العامة، بل بين وزير الدفاع (اليعازر) ورئيس الأركان (موفاز) وفي ذلك تقول (يديعوت أحرونوت) (إذا لم تتم بلورة استراتيجية أخرى، فإن رئيس الأركان وقادة المناطق الحاليين سيورثون انتفاضة الأقصى لمن سيجيئون بعدهم) وفي حالة ما اذا استمر التصعيد الحالي من جانب اسرائيل، فمن المتوقع أن تدخل عناصر جديدة في دائرة الانتفاضة أبرزها 30 ألف شرطي فلسطيني الى جانب شباب عرب اسرائيل المتعاطفين مع شباب الضفة وغزة، بالاضافة الى التنسيق المتوقع في العمليات الفدائية مع حزب الله في جنوب لبنان لتشتيت جهود اسرائيل العسكرية بين جبهتين، وما يعنيه ذلك من الاستعداد للتورط في حرب استنزاف طويلة الأمد. ومن نقاط الضعف التي تم رصدها مؤخرا، أن الجيش الاسرائيلي فشل في حماية حركة المستوطنين بل أيضا قواته العاملة في القطاع والضفة، عبر الطرق التي اقامتها اسرائيل لهذا الغرض، حيث بدأت الانتفاضة تنقل أنشطتها داخل المستوطنات عبر هذه الطرق، ناهيك عن أن نيران الهاون والكاتيوشا مستقبلا الموجهة ضد المستوطنات داخل مناطق الحكم الذاتي على مسافات أكثر من 10 كجم، جعلت هذه الطرق التي أنفقت عليها اسرائيل حوالي 300 مليون دولار عديمة الفائدة. لقد كان (يوسي بيلين) الوزير السابق في حكومة باراك صادق مع نفسه عندما قال معقبا على الأحداث الأخيرة: (إن اسرائيل قد أصابها الجنون، ذلك أن دائرة العنف التي سقطت فيها اسرائيل والفلسطينيين لن تتوقف من نفسها، حتى وإن قامت اسرائيل بألف عملية قصف فلن تضع نهاية (للارهاب) الفلسطيني). وفي مقال لصحيفة هاآرتس قال (جدعون ليفي) (إن الاعتداء القادم علينا من جانب الفلسطينيين جاء من حالة اليأس التي يعيشونها، وأن القصف الاسرائيلي لن يضع له نهاية، بل سيزيده حدة، مثل عمليات التصفية الجسدية التي قد تؤجل عملية الاعتداء القادمة، ولكنها لن تمنعها). ناهيك عن أن لهذا القصف الاسرائيلي ثمنا سياسيا، وهو ما أوضحه (يوسي بيلين) أيضا عندما قال: كيف سيمكن لاسرائيل أن تطالب حين تتوفر ظروف التفاوض بنزع سلاح الدولة الفلسطينية، بعد أن قامت هي بقصف مواطني هذه الدولة بالمروحيات والمدفعية والدبابات، بل والمقاتلات أيضا وبالصواريخ؟ إن أي كيان سياسي فلسطيني لن يوافق على أن يترك مواطنيه بلا حماية، ثم ما هو الحافز الذي ستعطيه اسرائيل للسلطة الفلسطينية كي تعود للمشاركة في مكافحة (الارهاب)، والفصل بين منظمات (الارهاب) الاسلامي وبين أجهزة السلطة، وهي تقصف قيادات القوة (17) الغير المسئولة عن الاعتداءات الأخيرة داخل اسرائيل، وهي بذلك تخلق توافقا في المصالح والمصير المشترك بين حماس والجهاد وبين السلطة الفلسطينية؟!). مما لاشك فيه أن اعلان شارون عن وقف اطلاق النار من جانب واحد، هو في حقيقة أمره مناورة شارونية مكشوفة، يعرف الفلسطينيون والاسرائيليون وشارون نفسه وكذلك الولايات المتحدة حقيقة عدم واقعيتها، وأنها عملية خداع يستهدف شارون من ورائها تضليل الرأي العام العالمي عن حقيقة الأعمال الوحشية التي تمارسها قواته والمستوطنون ضد الفلسطينيين، بجانب ما أراده من القاء عبء المواجهة مع الساحة الدولية على الفلسطينيين. ولقد كشف الرأي العام العالمي ذلك، حيث طالب الكثير من المسئولين في أوروبا والولايات المتحدة اسرائيل بأن توقف التصعيد القائم في استخدام أسلحتها ضد الفلسطينيين. بل إن صحيفة (هاآرتس) ذكرت في مقال لها في 11/3/2001: (إذا كان ينبغي على اسرائيل أن تطالب الفلسطينيين بالقاء أسلحتهم فيتعين عليها في ذات الوقت أن تطالب نفسها بذلك، وبما في ذلك جميع أنواع الأسلحة التي تستخدمها ضد الفلسطينيين، ولكن عندما تعزل 23 قرية عن كل طرق السير بواسطة البلدوزرات، ودون مرور حتى عربات الاسعاف ولا حتى صهريج مياه، فإن مطلب وقف العنف الفلسطيني يبدو مطلبا شاذا. أتريدون نهاية للعنف؟ لماذا لا تحاول اسرائيل ذلك باعتبارها الطرف الأقوى، وأن تكون هي البادئة؟) ثم تتساءل (هاآرتس): (كيف يمكن لرئيس الأركان (موفاز) الذي قتل نحو 90 طفلا فلسطينيا في خمسة أشهر أن يسمي السلطة الفلسطينية (سلطة ارهاب) ويتجاهل تماما أعمال جيش الدفاع الاسرائيلي ونتائجها؟ أليست المصادرة الشاملة للأراضي، وهدم المنازل واقتلاع الأشجار بشكل جماعي عمليات عنف؟ أليس عزل المدن والقرى عن مصدر الماء نوعا من العنف؟ وهل تقييد حرية الحركة عن طريق تقطيع وعزل مناطق كاملة، ومنع العلاج الطبي عن المواطنين حتى لو كانوا معرضين للموت أقل إيلاما وقتلا من اطلاق النار على الطرق؟ أليس موت طفل لأم حامل أو مريض لم يتمكن من الذهاب الى المستشفى وهي حالات أصبحت مألوفة هم أيضا ضحايا عنف اسرائيلي؟ وماذا عن سلوك الجنود ورجال الشرطة عند المعابر وعلى الطرق وفي كل مكان؟ وماذا عن الاذلال والضرب وارهاب المستوطنين كيف يمكن أن نسميه؟). خلاصة القول: لقد أوضح الفلسطينيون وانتفاضتهم أنهم ليسوا أرانب وأن اسرائيل ليست مروضة الحيوانات الاقليمية، وأنه من غير الممكن التلاعب بحياة شعب بأكمله ورفضه من أجل المصالح الاسرائيلية ولارضاء حفنة من المستوطنين. وأن أسلوب (العصا والجزرة) وكذلك العقاب الجماعي، يجب تركهم لمروضي الحيوانات، أما التعامل مع البشر الذين يكافحون منذ أكثر من نصف قرن من أجل حريتهم وتحت وطأة الاحتلال، فإنه ينبغي أن يكون مختلفا. وحتى تفهم اسرائيل هذا المعنى وتدركه ثم تتفاعل معه، فستبقى جذوة الانتفاضة متقدة حتى تكسر ارادة شارون، وتجبره ومؤسسته العسكرية وحزبه اليميني المتطرف على احترام ارادة الشعب الفلسطيني، ولن يتحقق ذلك إلا بدفع المزيد من ضريبة الدم من قبل الشهداء الفلسطينيين، والتي ينبغي أن يساهم فيها باقي العرب والمسلمين دفاعا عن مقدساتهم وأراضيهم التي يطمع فيها شارون وغيره من عتاة الصهاينة تحقيقا لهدف (اسرائيل الكبرى) أو الهدف الجديد (أرض اسرائيل الكاملة) التي يرفعها الليكود وشاس على حساب جميع الدول العربية، ولنتذكر ونعي جيدا خطورة مقولة بن جوريون (إن لنا حقوقا في الكعبة التي بناها أبونا إبراهام)!! ـ خبير استراتيجي مصري