لأن إسرائيل يحركها العامل الاقتصادي عامل المكسب والخسارة بالدرجة الأولى، فإن حكاية اتفاقات السلام والامتثال الى قرارات المنظومة الدولية أو الانصياع الى ضغوط الولايات المتحدة.. دع عنك فعالية تأثير جماعات السلام داخل اسرائيل كل هذه العوامل لم يعد لها تأثير يذكر أو فلنقل تأثيرا مهما.. فاعلا أو ملحوظا في نظرة قادة المشروع الاستعماري الصهيوني في قلب الأرض العربية. وعندما جاء باراك إلى الحكم وسط تهليل الكثيرين ومراهنات الكثيربن ومنهم أطراف عربية.. كان المعيار المستخدم في (تنازلات) باراك التي طالما تشدقوا بها وهاجموا من أجلها (تعنت) المفاوض الفلسطيني في كامب ديفيد الثانية هو القول بأن الجانب الصهيوني كان يلتمس الحل الناجح الذي يمكن أن يوصل إلى (الوضع النهائي) أو إلى المرحلة الأخيرة هل نقول مرفأ الأمان من التسوية السلامية في الشرق الأوسط. مع ذلك فما لبث الطرف الصهيوني أن كف عن هذا التهليل الذي كانوا قد باعوه للوسيط الأمريكي أو كان الوسيط المذكور ممثلا في الرئيس السابق كلينتون طامحا بل تواقا الى التوسط بمنطق السمسار في ابرام اتفاق يمكن أن يحوز صفة (تاريخي) وبالتالي يقود السيد كلينتون الى أبواب (أوسلو) التي لم تكن تعني في هذا السياق تسوية سلامية أخرى بل كانت تعني الحصول على جائزة نوبل للسلام يختم بها بيل كلينتون 8 سنوات من دوره المشهود على الساحتين الوطنية والدولية فيه صفحات من انجازات اقتصادية بالدرجة الأولى وفيه صحائف سود أخلاقية بالدرجة الأولى أيضا. فظاظة شارون المهم أن الطرف الصهيوني تخلى عن (تنازلات باراك) وقادته حركة البندول السياسي في اسرائيل الى (فظاظة) شارون. ومرة أخرى فتش عن الشيكل.. أو بالأدق عن الدولار. بمعنى أن تنازلات باراك كانت تهدف في رأى مهندسها الأول شيمون بيريس الى تحسين الوضع الاستراتيجي لاسرائيل الى تطوير مقبولية كيانها في المنطقة المزروعة في قلبها والى ربطها بوشائج من علاقات تجارية واقتصادية سواء على مستوى اقليم الشرق الأوسط أو عن طريق هذا الاقليم وصولا مباشرا وواعدا بالمكاسب الى اقاليم افريقيا وآسيا. ويبدو أن القوم وجدوا ان هذه الوعود عسيرة التحقيق أو أن المكاسب ليست مطابقة من حيث الحجم للتنازلات التي عرضوها في سوق التفاوض السياسي. في هذا السياق نعود الى الكاتب (ألوف بين) المراسل الدبلوماسي لصحيفة (هاآرتس) الاسرائيلية والى الدراسة التي نشرها في أحدث اعداد مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية المعنية بالسياسة الدولية (عدد يونيه 2001) وقد سبق أن أشرنا الى هذه الدراسة في الجزء الأول من هذا المبحث وليس صدفة أن يسوقها صاحبها تحت عناوين يقول فيها: لماذا لا يعود السلام بالمكاسب: إن اسرائيل ليس لديها أي حافز اقتصادي يدفعها الى أن تبرم اتفاق سلام دائم مع الفلسطينيين. يقول (ألوف بين): سوق اسرائيل وأسواق العرب ليست متكافئة ولا متوائمة وبديهي أيضا أن التجارة البينية العربية ذات مستوى هامشى وبرامج التعاون الاقليمي لم تخط أي خطوة أبعد من مجرد مراحل التخطيط المكتوبة على الورق. وافضل آفاق أي تعاون اقتصادي (مرتقب) بين اسرائيل والعرب يبدو متمثلا في (مجرد) نقل الصناعات العتيقة الأسلوب مثل المنسوجات من داخل اسرائيل الى المواقع الصناعية ذات الأجور المنخفضة عبر الحدود وهنا يلمح لنا الكاتب الاسرائيلي بحقيقة نعترف أن كانت غائبة عنا وقد أدرجها بين قوسين قائلا: إن صناعة الملبوسات الداخلية الاسرائيلية ماركة (دلتا) التي يملكها أحد أرباب الصناعة من مؤيدي السلام.. شيدت خطوط انتاج لها في كل من الأردن ومصر ولكن لم تجد صناعات (دلتا) أطرافا كثيرة أخرى تنسج على منوالها. السلام لا يدر أرباحا يواصل الأستاذ (بين) تحليله قائلا: وفيما يتعلق باقتصاد النيو تكنولوجيا الجديدة المتعددة، تبدو عروض السلام في المنطقة وكأنها لا تنطوي الا عن النزر اليسير الشحيح من المكاسب أو العائدات (بالنسبة لاسرائيل) ولا عجب اذن أن لا ينطوي هذا كله على حوافز تذكر يمكن أن تدفع الطرف الاسرائيلي الى الوفاء بشروط وبنود اتفاقيات أوسلو ومن ثم التوصل الى تسوية نهائية. الآثار الجانبية للانتفاضة ورغم أن الكاتب المذكور يحاول جاهدا أن يخفف اثر الانتفاضة الاخيرة التي طال أمدها أكثر من 8 شهور على مجمل الاقتصاد الاسرائيلي موضحا أن اقتصاد اسرائيل تضرر أكثر من تقلبات اسعار الأوراق المالية في أسواق دولية كبرى من قبيل (ناسداك) فضلا عن الانخفاض الشديد الذي لحق في مراحل قريبة بأسواق المنتوجات الالكترونية والمعلوماتية (إلتورماتيك) والتكنولوجيا الرفيعة (هاى تك) في الولايات المتحدة ورغم أن صاحبنا اختار أن يركز وهذا حقه طبعا على ماأصاب الاقتصاد والحياة بعامة في الأرض الفلسطينية في ظل الانتفاضة الشعبية المقاومة للاحتلال.. سواء بفعل الخسائر البشرية أو المادية أو بفعل قرارات اسرائيل لاسيما في ادارة شارون الراهنة من (اغلاق الأراضي) وبالتالي قطع أرزاق الآلاف من العمال الفلسطينيين ناهيك عن جباية الادارة الاسرائيلية للضرائب وحبسها عن التسليم الى السلطة الوطنية الفلسطينية كي تستخدمها في تقديم وتطوير الخدمات الأساسية بل الحيوية اللازمة للشعب الفلسطيني وخاصة في مجالي التعليم والرعاية الصحية الأولية. ونحسب أن هذا الجانب السلبي من نتائج الانتفاضة وهو جانب واقعي بل ومتوقع في سياق أي نضال تحريري يجود فيه الناس، لا بأرزاقهم بل بأرواحهم أيضا وهو ماضرب فيه الشهداء الفلسطينيون نموذجا رفيعا بل غير مسبوق في التاريخ.. نحسب أن هذه الآثار الجانبية للانتفاضة كان يمكن، ومازال يمكن تلافيها أو على الاقل التخفيف من وطأتها اذا ماأمكن مواصلة الدعم العربي الجاد والمحسوب والسخي لابناء شعبنا تعويضا لهم عما يقاسون من شظف الحياة تحت نير الاحتلال العنصري الاستيطاني الغاصب والغاشم. ورغم نغمة التشفى التي نكاد نلحظها بين سطور الكاتب الاسرائيلي الذي نتعامل مع مقولاته في هذه السطور ازاء وطأة الانتفاضة في الشارع الفلسطيني، الا انه يكتب في مطبوعة دولية محترمة، ومن ثم فهو لم يملك سوى أن يتطرق بالضرورة الى الجانب المقابل من تلك الآثار الجانبية لما يحدث حاليا في اسرائيل وفي الأرض المحتلة. اسرائيل تحتاج للسلام في هذا الصدد يقول بغير مواربة: إن اسرائيل ستكون بحاجة الى سلام مستقر. وستكون بحاجة الى تجنب أي تصعيد عسكري للموقف السائد هناك. هذا هو المناخ أو الشرط الوحيد لتمكينها من اجتذاب مزيد من الاستثمارات الخارجية وفي الوقت تمكينها من تجنب أي انهيار في مركزها المالي. وفي كل حال.. لن يظل في وسع اسرائيل في ظل الحالة الراهنة أن تتحمل مايجري وقد تلحقها الآثار الجانبية والسلبية الناجمة عن الموقف السائد في الوقت الحالي. في سنة 2000 كانت صناعات التكنولوجيا المتقدمة تشكل 57 في المائة من صادرات اسرائيل الصناعية.. والهدف أن تزيد هذه النسبة لتصل الى 70% في المائة ولن يتأتى ذلك الا في ظل مناخ السلم والاستقرار ومن ثم اصبح يتعين على الادارة الحالية (شارون) أن تلتمس من السبل مايؤدي الى تهدئة الفلسطينيين من ناحية والاستجابة الى الضغوط الأمريكية والأوروبية المبذولة حاليا من ناحية أخرى. الضغوط العربية مطلوبة ولقد نضيف نحن عنصرا أو فلنقل الجهود المبذولة من جانب الكرملين سواء بواسطة مبعوثه الخاص أو المبعوث فوق العادة وخبيره الشرق الأوسطي (يفيجيني بريماكوف) بيد اننا نود أن نضيف أمانة مع النفس وطأة الضغوط العربية فلا تظن أن هناك لحظة أفضل ولا أشد حسما من اللحظة الراهنة لكي تشهد وقفة عربية تستخدم فيها الأمة ماتستطيع من موارد وطاقات وامكانات استخداما فاعلا وليس منفعلا. بمعنى أن يصدر عن منطق المبادرة وليس موقف رد الفعل.. وبمعنى أن يكون استخداما رشيدا لا مؤقتا ولا هتافيا ولا شعاريا ولا خطابيا يقصد به محض تسجيل المواقف واستعراض العنتريات البلاغية. وهي لحظة لن تخفف وحسب معاناة الفلسطينيين بل هي كفيلة على حد مانتصور باعادة تعريف (العربي) فردا وأمة، شأنا ومفهوما.. صورة وسلوكا في عين العالم ونحن في أشد الحاجة الى اعادة هذا التعريف وكم نكابد بحكم مداومة اطلاعنا على مايصدر في الغرب من أدبيات وطروحات سياسية بأكثر من لغة نكابد نغمة الاستخفاف بالعرب ونلخص هذه المكابدة بكل مشقتها وشظفها في أن الغرب وهل نقول الشرق أيضا يلخص نظرته تلك السلبية الى العرب بانهم ببساطة وبغير مواربة، (قوم يقولون مالا يفعلون). ماذا يريد شارون؟ نعود الى الشأن الصهيوني حيث يجمع المحللون على أن شارون حين جاء الى سدة الحكم في اسرائيل في فبراير الماضي وأطلق وعوده الشهيرة لتحقيق أمن الكيان المشروع الاستيطاني الصهيوني كان قصاراه كما يؤكد البحث الذي نحيل اليه في هذه السطور أن يحقق نوعا من الاستقرار الاستراتيجي لصالح اسرائيل. والمعنى أن شارون لم يراوده يوما فكرة سلام شامل أو حل عادل أو تسوية معقولة تصدر عن رؤية متكاملة أو عن التزام بما سبق وأبرمه اسلافه في رئاسة الوزراء من مواثيق واتفاقات. وماذا بعد؟ نكتب هذه السطور وقد تناثرت من حولنا أخبار وقف لاطلاق النار بين الجانبين (وفي ذلك بحد ذاته تشريف بمعمودية الدم وكرامة الاستشهاد لتضحيات أخوتنا في فلسطين فهو وقف اطلاق النار بين الصدر البشري العاري وبين الدبابة المدرعة المدججة بأحدث الصواريخ) ومع ذلك فكم تتطاير الفاظ الهش والمؤقت والمرحلي لوصف هذا الموقف لاطلاق النار. وهذا هو بالضبط عين مايريده ارييل شارون يقول الكاتب الاسرائيلي (ألوف بي ن): قد يكون شارون مستعدا لتخفيف المعاناة اليومية للفلسطينيين، ولكنه غير مستعد، بل هو معارض التوصل الى أي اتفاق طويل الأجل والمزيد من نقل الاراضي (بمعنى التنازلات الاقليمية لصالح الطرف الفلسطيني) بدلا من ذلك فإن شارون يؤيد الوصول الى اتفاق مرحلي في الأجل الطويل بدلا من صفقة الوضع النهائي التي لم يستطع سلفه باراك أن يتوصل اليها. مامعنى هذا كله؟ معناه ببساطة ان ارييل شارون يهدف من كل تصرفاته هذه سواء بلغت فظاظة البطش المسلح أو السلوك العدواني، أو حاول تخفيفها بحديث عن التهدئة أو وقف اطلاق النار أو الرضوخ الى وساطات تبدأ بمبعوث الكرملين ولا تنتهي بمدير المخابرات المركزية الأمريكية. شارون في هذا كله يرمي الى تحقيق غاية، محدودة يمكن أن نوجزها على النحو التالي: العودة الى الحالة السائدة التي شهدها عقد التسعينيات الماضي.. هي حالة المراوحة الستاتيكو كما يقولون في مصطلح السياسة التي كانت تطلق فيها شعارات السلام مثل بالونات الاختبار الملونة في فضاءات المنظومة الاعلامية الدولية.. وكلها كانت تنبع من الشعار العتيد الذي كانوا يصفونه بأنه (عملية السلام) وهو شعار يصدق عليه في رأينا منطق المقاولات التي يتم في ظلها تلزيم متعهد ما هو الأمريكي في هذه الحالة يتم ارساء عطاء (العملية) عليه ومن ثم يختار المقاول الأكبر.. مقاولا أصغر من الباطن وهو في هذه الحالة ايضا الطرف الاسرائيلي سواء كان رابين أو بيريز أو نتانياهو أو باراك دع عنك شارون.. وكلهم.. كلهم مسئولون عن زرع وفرض المستعمرات الاستيطانية الصهيونية قدر مسئوليتهم أيضا عن تعزيزها وتوسيعها على حساب أرض الفلسطينيين وبيوتهم ومواردهم وممتلكاتهم ومستقبل أولادهم. وفي هذا السياق بالذات تختم عبارات المراسل الدبلوماسي لصحيفة هاآرتس الاسرائيلية. وقد خلص فيها في ختام الدراسة التي نشرها كي يصف بها عملية السلام المذكورة اعلاه فقال: كانت عملية بغير نهاية لأنها كانت أكثر ربحية (بالنسبة لاسرائيل) من اندلاع الحرب بكل مغارمها ولكنها كانت في الوقت ذاته تشكل حجر عثرة يحول دون تقديم التنازلات الشجاعة المطلوبة (من جانب اسرائيل) وهي التنازلات التي لا غنى عنها من أجل تحقيق السلام. كاتب سياسي من مصرـ