يومياً ـ ان لم نقل كل ساعة ـ يحتج مسئول صغير كان أم كبيراً على احد الزملاء الصحفيين، إما لأنه نشر خبراً ما كان له ان ينشر من وجهة نظر المسئول طبعاً، أو لأنه جاهر برأي ليس من حقه المجاهرة به او الافصاح عنه من وجهة نظر المسئول ايضاً، أو لأنه لم يمتدحه بما يكفي، أو لأنه زاد عيار النقد او الدخول في الخطوط الحمراء!! ويتمادى بعض المسئولين حينما يخاطبون الصحفي أو الكاتب بشكل لا يليق بهم كمسئولين، كما لا يليق بالصحفيين ايضاً. وفي هذه المسألة الشائكة هناك أكثر من سؤال: من يحدد للصحفي ما ينشر وما لا ينشر او ما يسمى بالخطوط الحمراء: المسئولون في الدوائر والوزارات والمؤسسات ام صحيفته التي يعمل فيها؟ ثم ما هي حدود لهجة الكلام او الخطاب بين المسئول الذي لا يعجبه الرأي أو لم يستسغ الخبر المنشور عن مؤسسته وبين الصحفي صاحب الرأي أو كاتب الخبر؟ واذا اخطأ المسئول في حق الصحفي فمن يفصل بين الاثنين؟ وفي كل ما يتعلق بمهنة الصحافة لا استغرب من أمر قدر استغرابي من هذه الأحقية أو الصلاحية التي يبيحها البعض لأنفسهم، بالتدخل في شئون المهنة والعاملين فيها، مرتكزين على مناصبهم واسمائهم ولا أدري على ماذا ايضاً، فمن أين أتوا بهذا الحق؟ هو ليس حقاً على الاطلاق، إنه سلوك خاطئ وغير قانوني، ولا سند له من تشريع أو دستور أو عرف، وانما هي هكذا تتراكم الأخطاء والسلبيات حتى تتحول الى تراث يشبه تماماً التراث الشعبي المختلط ما بين الخرافات والأساطير والأغنيات والشعوذات، التراث الذي يمتزج فيه الخطأ بالصواب دون ان يفكر أحد في تصويبه، فهل فكر أحد في تصحيح أخطاء التراث في أي مكان؟ العكس صحيح الجميع ينظر للتراث بقداسة عجيبة برغم الأخطاء التي فيه! ان العلاقة بين الصحافة ومؤسسات المجتمع، قائمة على التراكم والتوارث، ولو أننا لم نعمل اليوم مثل الغد على تأسيس علاقة وارث قائمين على أكبر قدر من الاحترام والنزاهة والشرعية والقانونية، فإننا سنراكم سلبيات خطيرة، تجعل من حق أي مسئول ان يرفع سماعة الهاتف طالباً الصحفي الفلاني الذي تجرأ وقال كذا او نشر كذا، مما لم يعجب سيادته، فإذا جاءه صوت الصحفي مجيباً، انهال عليه توبيخاً وتعنيفاً وتجاوزاً، واحياناً قد يلجأ الى أساليب ملتوية فيدعوه الى مكتبه ليفهمه حدوده بشكل دبلوماسي جداً!! طبعاً هناك صحفيون يتجاوزون في أمر القيام بمهامهم الصحفية وقد يخطئون أو يتحيزون او ينشرون أخباراً لا صحة لها أو غير مؤكدة أو تحريضية احياناً أو بشكل استفزازي احياناً اخرى، وهناك صحفيون يهدفون الى البحث عما يسيء لأشخاص بعينهم وهناك من يصفي حسابات شخصية وهناك وهناك.. هذه نماذج موجودة في صحافتنا العربية ولا ننكرها، كما انه يوجد صحفيون يستجيبون للاغراءات وللتهديدات بشكل مبالغ فيه، فيكونوا سبباً في تجاوز المسئولين عليهم، لكن تبقى النماذج المشرفة من الصحفيين والكتاب ممن يحفظون للمهنة سمعتها ونبلها وقداستها، برغم الاغراءات والمخاطر وبعض التهديدات، كما يبقى ايضاً الكثير من المسئولين في مجتمعنا تحديداً ممن يحترمون صاحب الرأي السليم والنزيه حتى وإن كان قوياً وجريئاً، مصداقاً للمتعارف عليه بأنه قد لا يعجبك فلاناً لقوته وصراحته لكنك لا تملك سوى ان تحترمه. الصحافة مهنة شائكة، كثيرة المسارب والمداخل والدهاليز، وأهلها أعلم بشعابها، وهم اولى وأجدر على الدفاع عنها ووضعها في مسارها الصحيح دائماً حتى لا يتعدى عليها أحد أياً كان مركزه ونفوذه، نحترم أنفسنا ومصداقية ما نكتب حتى يحترمنا الجميع حتى وان لم يحبونا فذلك شأنهم بالتأكيد!