نتذكر جميعا انه في السبعينيات وتحت ضغط حاجة مؤسسات الدولة للموظفين صار المجال مغريا لتوجه عدد كبير من الشبان الذين لم ينهوا الثانوية العامة لملء آلاف من الوظائف الشاغرة التي كانت تحتاجها مرحلة التأسيس، ومن هنا ترك عدد كبير من الطلبة مدارسهم ليعملوا، لكن كان هناك تبرير وكانت المرتبات التي يتقاضاها خريجو الشهادة الاعدادية مثلا مناسبة لاعالة اسرة، ومع مرور الوقت وتطور المؤسسات وحاجتها لافراد اكثر تأهيلا برز صاحب الشهادة الثانوية، ثم ارتفعت حاجة المؤسسات نظرا للتطور السريع الذي شهده المجتمع الى حملة الشهادات الجامعية وهكذا تدرج الحال الى ان اصبح التخصص التقني والنادر هو المطلوب اليوم بعد ان اغرقت كليات الاداب والاجتماع والتعليم السوق بآلاف الخرجين.. نحن الان في العام 2001 ومع ذلك تخرج علينا نتائج تقول ان هناك نسبة لا بأس بها من حالات تسرب الطلبة من المدارس بدافع العمل، وقبل عدة اسابيع كانت هناك اشارة من باحثين ومتخصصين الى ضرورة وضع حلول عاجلة للقضاء على هذا التسرب. ويكون السؤال مهما جدا حول اسبابه، وما الذي يجعل عدداً من الطلبة لقطع مسيرة تعليمهم ويرتضون لانفسهم درجات علمية متدنية في الوقت الذي تتصعب فيه ظروف وحاجة المجتمع لأفراد مؤهلين اكاديميا كثر. اليوم ونحن نتابع الاف الطلاب والطالبات الذين يؤدون امتحانات الثانوية العامة يوجد من بين هؤلاء الام التي عادت الى قاعة الدرس بعد ان اصبح لديها اربعة أو خمسة ابناء، ونتابع الاب الذي ابيض شعر شاربه واغلب هؤلاء قطعوا دراستهم في سنوات مضت لاسباب لكنهم عادوا لشعورهم ان هذا لابد وان يتم. هؤلاء مكافحون بجد ويستحقون تحية اجلال وتقدير. وهؤلاء هم الذين يجب ان يكونوا مثلا لعدد كبير من الشبان والشابات يفكرون ويفكرن اليوم في قطع الدراسة، فهناك اليوم من يريد ان يكتفي بالشهادة الاعدادية، وهناك من يريد ان يكتفي بمنتصف الثانوية، وهذا طبعا قرار غير معقول وغير مقبول، وذلك حينما تكون الشهادة الثانوية على بعد موسمين دراسيين ويقرر هذا الطالب او تلك الطالبة التي توقف تحصيلها الدراسي عند هذا الحد.. هذا يحدث اليوم يا جماعة ونحن في سوق عمل لا يقبل الا الاكثر تخصصا وتأهيلا.. وفي ظل هذه الحقيقة يصبح من الواجب جدا البحث عن السبب الذي يوصل مثل هؤلاء الطلبة الى مثل هذه القرارات، هل هي الحاجة الى العمل وكسب المال واعالة النفس او الاسرة؟ هل هو ترف عند البعض يجعل من حاجة التعليم شيئاً استثنائياً، هل هناك ظروف قاهرة تجبر احدهم؟ وهل هناك من يقف بجانب ذلك الطالب عندما يتقدم بطلب الاستقالة الاختيارية من مراحل التعليم المدرسي؟ نتفق اننا بحاجة لان نقف الى جانب من يقطع تعليمه سواء كجهات اختصاص، او جمعيات اهلية، او أي شيء كان فقط لنوفر لهؤلاء الذين يقفون قبل الثانوية العامة او عندها..لان المواطن عملة نادرة والتعب عليه حتى ولو كلف فهذا لا يهم.