يقول الكاتب الروائي الانجليزي جورج اورويل: «عواقب أي فعل متضمنة داخل الفعل ذاته». طبق هذه القاعدة على المشهد الفلسطيني وسوف تخرج بالآتي: السير على طريق جورج ميتشيل كان من المحتم ان يقود الى طريق جورج تينيت. واذا وجدت القيادة الفلسطينية الآن وعند نهاية المطاف ان من المستحيل ان تقبل «وثيقة تينيت» التي تنطوي على وصفة اسرائيلية لتصفية الانتفاضة الفلسطينية نهائيا دون ان تخاطر بمصيرها ومصير الشعب الفلسطيني، فما كان اغناها عن ذلك المشوار الطويل الشاق المحفوف بالافخاخ والكمائن عندما قبلت اصلا فكرة تشكيل لجنة ميتشيل. هدف السعي الفلسطيني في الاصل تمثل في مطالبة بتدخل قوة دولية مسلحة لترابط داخل الاراضي المحتلة بغرض توفير حماية للشعب الفلسطيني من وحشية الجيش الاسرائيلي، وكان من المفهوم ان تقبل القيادة الفلسطينية اخذا ورداً في هذا المطلب بعد ان استخدمت الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الامن الدولي فأحبطت مشروع القرار الفلسطيني بهذا المعنى لكن دون ان تقبل خفض سقف المطلب الى مستوى تحويل التدخل الدولي الخالص الى انفراد امريكي تحت اسم دولي زائف. وهذا بالضبط ما حصل في آخر مؤتمر قمة في شرم الشيخ رتبته واشنطن خصيصا بالتواطؤ مع اسرائيل والاتحاد الاوروبي واطراف عربية معنية لاخماد الانتفاضة. كل هذه الاطراف ضغطت جماعيا على الرئيس الفلسطيني، وعندما انتهى الاجتماع كان سقف المطلب المطروح فلسطينيا قد هبط من مستوى قوة دولية مسلحة.. الى مستوى «قوة مراقبة دولية» غير مسلحة.. ثم الى مستوى «لجنة دولية للتحقيق» ليستقر اخيرا الى مستوى «لجنة دولية لتقصي الحقائق». وما ان غادر القادة منتجع شرم الشيخ حتى فاجأ الرئيس كلينتون وقد كان يعيش آخريات ايامه في البيت الابيض ـ العالم بانفراد واشنطن بأمر تشكيل «لجنة تقصي الحقائق الدولية».. ومن هنا خرجت الى حيز الوجود لجنة السيناتور الامريكي جورج ميتشيل كلجنة امريكية تنتهي مرجعيتها الى رئيس الولايات المتحدة ـ لا الى مجلس الامن الدولي. لقد كان قبول القيادة الفلسطينية بلجنة ميتشيل خطأ عظيما افرزه تلقائيا خطأها الاول بتنازلها عن مبدأ دولية التدخل، وارتضائها عوضا عن ذلك تدخلا امريكيا. فبهذا الفعل وضعت القيادة الفلسطينية امر الانتفاضة الفلسطينية في يد رئيس الولايات المتحدة. دور ميتشيل كان وضع تقرير لا يسجل اي ادانة على اسرائيل كقوة احتلالية اجنبية تقمع شعبا يخوض حرب تحرير ويطرح في الوقت نفسه مقترحات تؤدي في النهاية الى وضع نهاية للمقاومة الفلسطينية. ودور جورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية هو النزول الى الميدان لتحقيق هذا الهدف عمليا. وفي كلا الحالين تبقى مبادرة الفعل لدى واشنطن ـ اي لدى اسرائيل بطريقة غير مباشرة. ويبقى التساؤل الكبير: الى متى تظل القيادة الفلسطينية تراهن على وهم حيادية الولايات المتحدة بينما تحرص هذه الدولة العظمى على ان تبرهن للعرب مع مرور كل يوم انها براء من هذه الحيادية؟ في المبتدى والمنتهى لا ترى الولايات المتحدة في المقاومة الفلسطينية سوى مصدر ازعاج غير مشروع لدى شرعية اسمها اسرائيل.