بعد حوالي خمسة وثلاثين عاما، لا تزال هزيمة يونيو 1967، هي اكثر الغاز التاريخ العربي المعاصر غموضا مع انها لا تزال اكثر احداث القرن الماضي تأثيرا في كل ما يجري الآن على مسرح الامة والوطن من احداث وكل ما يرتبط بها مما يجرى على مسرح المعمورة! قبل هزيمة يونيو، كانت اسرائيل توصف في المصطلح السياسي العربي، على الصعيدين الرسمي والشعبي، بأنها «اسرائيل المزعومة» وكنا ننام ونصحو على تعليقات الصحف والاذاعة تشتمها وتتوعدها بالويل والثبور وعظائم الامور، اما اليوم وكنتيجة مباشرة لهزيمة 1967 جاءت متأخرة ولكنها جاءت والسلام أو بالسلام ـ فقد اصبحت اسرائيل ـ على رأي دريد لحام في مسرحية كأسك يا وطن ـ دولة صديقة للبعض وشريك في سلام الشجعان مع البعض الآخر، بصرف النظر عن التوتر الذي يحدث بين الحين والآخر. وايامها ـ وحتى 4 يونيو ـ كان لسان حال النظام العربي يقول بأن اسرائيل دولة مزعومة، يقتصر علينا نحن رعاياه، اما في مجلسي الأمن والامم المتحدة ومع الامريكان، حيث لا يستطيع النظام العربي ـ آنذاك او بعد ذاك ـ ان يرفع صوته او عينيه او حتى يكح ـ فقد كان يتكلم همساً وبمنتهى الادب والتهذيب والدبلوماسية، ويخاطب العالم علنا من خلال منابر الامم المتحدة وفي مجلس الامن، وسراًَ من خلال المحادثات المغلقة التي كانت تجري بينه وبين اسياده الذين في البيت الابيض و10 دواننج ستريت وقصر الاليزية، مؤكدا انه لا يطالب إلا بتطبيق قرارات الامم المتحدة، وهي عبارات كان حريصا ـ في تصريحاته العلنية المعدة للتصدير ـ على ألا يفصل فيها، او يفسر معناها، حتى لا نعرف نحن، ونحن وحدنا دون كل شعوب العالم، انها تعني الاعتراف بالقرار 181 الذي اصدرته الامم المتحدة في نوفمبر 1947، وقضى بتقسيم فلسطين الى دولتين احداهما فلسطينية والاخرى اسرائيلية. على مشارف يوينو، اكتشفنا ان البواخر الاسرائيلية باتت طوال السنوات العشر السابقة تمر في خليج العقبة وفي شرم الشيخ من دون ان ندري، ومن دون ان يبرر لنا احد ذلك، كما اكتشفنا ان اسرائيل كانت مزعومة في الخطاب العربي الموجه الينا للاستهلاك المحلي، اما الحقيقة فهي انه كان قد اعترف بها رسميا، عندما وقع بروتوكول لوزان عام 1949، الذي اعلنت بمقتضاه الهدنة الدائمة في اعقاب حرب 1948، وكان الاساس الذي قُبلت اسرائيل استناداً اليه في عضوية الامم المتحدة، وكان ذلك ما يقوله النظام العربي، في الغرف المغلقة، معتذراً عما يقوله لنا، بأنه مجرد كلام ابن عم صديق، مستغلاً اننا لا نعرف شيئا عما يفعل ولا نملك حتى محاسبته ولا نستطيع ان نرفع اصواتنا فوق صوت المعركة، التي لم تأت ابدا إلا لكي نتلقى مزيداً من الهزائم! صحيح ان نجيب محفوظ يقول ان الانفلات من الجهل مؤلم كالولادة، ولكن: هل كان لابد من نكسة بحجم نكسة 5 يونيو، تأتي بآلام بلا حصر وبلا شفاء، حتى تنفلت من الجهل الذي كنا فيه، ونعرف ما كان العالم كله يعرفه سوانا؟ وجاءت 5 يونيو لتلطمنا بالحقيقة المرّة، واذا بكل تلك المباهاة القومية اعجز من ان تخفي حقيقة التخلف السياسي والاجتماعي والفكري الذي نعيش في ظله، واذا بمؤسساتنا وغير السياسة بل وانساق القيم الخلقية، الفردية والاجتماعية، مجرد ورق مقوى انهار في الدقائق الاولى من نشوب الحرب، لنكتشف اننا اوقعنا انفسنا بأنفسنا في فخ متقن لخداع النفس! فهل كنا في حاجة الى هذا العدد من الشهداء والارامل والثكالى الذين خلفتهم هزيمة 1967، وما تبعهم من ضحايا، من حرب الاستنزاف الى حرب 1973، ومن الحرب الاهلية في لبنان، الى حرب الخليج الاولى والثانية، وغيرها من الحروب الوهمية التي نشبت كبعض الاعراض الجانبية لما ادت اليه هزيمة 1967، من انفراط في عقد الامة، حتى نكتشف حقيقة الابنية والمؤسسات الوهمية التي نسكن فيها مع انها كانت تزعق في وجوهنا.. ليل نهار؟ ولان النصر له الف أب، بينما الهزيمة ـ دائما لا أب لها ـ فإن احداً لا يعرف بالدقة، وعلى وجه التحديد، حقيقة ما حدث في يونيو 1967، ليس فقط على صعيد مسئولية الافراد، وهو ما افرطنا في الحديث عنه، بمناسبة ومن دون مناسبة، ولم نصل بعد كثر الثرثرة الى شيء، بل المسئولية الأهم من ذلك وهي: طريقة بناء المؤسسات، واسلوب ادارة الدولة والمجتمع، وطريقة رسم الخطط السياسية، وادارة الصراع مع العدو الذي اصبح دولة صديقة، وقدر على جيلنا، ان يعيش هذا الانقلاب، وان يعاني من آلام الاستيقاظ ذات صباح، فاذا بالعدو الذي اغتال فلسطين وإغتال معها اروح ملايين من العرب، قد اصبح دولة صديقة، حتى قبل ان يعيد بوصة واحدة من الارض، التي احتلها في عام 1967، اما ما ضاع في عام 1948، فقد ضاع منذ ذلك الحين! ولان النظام العربي الذي صنع الهزيمة، لا يزال هو نفسه، من حيث الجوهر ـ النظام القائم الآن ـ فقد اسرع في اعقابها يعلن بجسارة ان المهم ليس معرفة اسبابها، ولكن ازاله آثارها، ولان تشخيص المرض، تشخيصا دقيقا، هو السبيل الوحيد لازالة آثاره، فقد كان طبيعيا ان يؤدي تجاهل هذا التشخيص الى استفحال المرض، فاذا بمحاولة ازالة آثار العدوان تنتهي بنا الى ما نحن فيه الآن، واذا بعدوان 1967 يحقق اهدافه كاملة، فيعترف العرب ـ جميعا ـ باسرائيل، ويسالمونها، عمليا، أو نظريا او كليهما، واذا بها تصبح دولة صديقة.. من دون ان تعيد من الارض التي احتلتها، او من الحقوق التي اغتصبتها إلا اقل القليل، وكأن الخطأ الرئيسي كان في الهدف لا في وسائل وتنظيمات وعقليات الوصول اليه، وطبيعة القادة الذين انتدبوا انفسهم لتحقيقه. في اعقاب نكبة 1948، قيل ان السبب في النكبة، يعود لضعف الجيوش العربية، وخضوعها لقرارات سياسية، يصدرها ساسة تقليديون ممن تربوا في احضان الاستعمار، ثم ثاروا عليه، لكنهم بحكم التربية المسبقة ونفاد الطاقة، اصبحوا ميالين الى الحلول الوسط والمساومة عاجزين عن مواصلة الشوط حتى نهايته، وبعد اقل من سنة على وقوع النكبة، بدأ مسلسل الانقلابات العسكرية التي وقعت في انحاء متفرقة من الوطن العربي، وقيل ايامها، ان هذه الانقلابات هي الثأر الطبيعي للنكبة، والرد العملي عليها، وان الوطن العربي لن يتخلص من اسرائيل إلا وهو تحت قيادة العسكريين العرب؟ وبعد اقل من عشرين سنة وقعت النكسة، لتكون ابعد مدى من النكبة، وافدح خسارة.. وكان مما ضاع هدراً فيها ـ غير ارواح الشهداء وعشرات البلايين من الدولارات ـ سنوات صبر طويلة، تحملتها الشعوب العربية وفي ظنها ان كل شيء يهون ـ من السجون الى المنافي ومن المشانق الى المجالد طالما ان وقتا ما سيأتي، يسترد فيه العسكريون العرب، ما اضاعته النكبة! ومع ان هذا النوع من الانظمة لم يسترد شيئا مما اضاعته النكبة، بل اضاف اليها نكسة ـ ونكبة ـ فلا تزال تقاليد واساليب الحكم التي ارساها قائمة، ولا تزال هذه المؤسسات الورقية التي اقامها، هي مؤسسات النظام العربي القائم، سواء كانت اصوله عسكرية.. أم لم تكن.. اما السبب فلأننا، وبعد 35 سنة من النكبة لم نحدد المسئولية عنها، ولم نبحث عن اسبابها الدفينة في نظامنا السياسي، وفي منظومة القيم الفردية والجماعية التي تحكم سلوكنا العام، أو في طريقة ادارتنا للصراع مع العدو الذي كان مزعوما ثم اصبح صديقا، بل وزعيما للمنطقة. بعد 35 عاما من النكسة، لاتزال وقائع ما جرى فيها، مكتومة ضمن وثائق مختومة بخاتم سري جداً ولا يجوز الاطلاع عليه صيانة لامن الدولة، في الوقت الذي شكل فيه الاسرائيليون لجنة للتحقيق في المسئولية عن وقوع حرب 1973 بشكل مفاجيء والبحث عن المقصرين! ونظرة واحدة الى كل ما يجري في المنطقة من حولك، تكشف لك كما كشفت لي عن ان النكسة لا تزال في جيبي، او في جيبه، والضمير عائد على من لا يحق لي ولك ان نحاسبه او ندعوه لان يتغير، حتى لا يرتفع صوتنا فوق صوت المعركة. ـ كاتب مصري