هل أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بدور «الأخ الأكبر» Big Brother الذي جعله الروائي الأمريكي جورج أورويل بطلا لروايته الشهيرة التي عنوانها 1984 وكان كتبها عام 1948 في نوع طريف من أنواع أدب الخيال العلمي، وقد تكهن أورويل في عبقرية نادرة بأبرز ظاهرة من ظواهر «المستقبل» حيث تصور عالما مكشوفا تماما للأمريكان سوف يحل مع حلول عام 1984 ـ حين قلب أورويل موقعي الرقمين 4 و8 ليصل إلى المستقبل. وبالفعل فان «الأخ الأكبر» تعملق وتضخم وتجاوزنا اليوم تاريخ 1984 إلى نهاية القرن وبداية القرن الحادي والعشرين. وقد قرر الرئيس الحالي جورج دبليو بوش ان يضاعف عشر مرات نظام ايشلون للترصد والجوسسة القادر على التقاط عشرة ملايين اتصال في الدقيقة الواحدة ـ أي اتصال مهما كان من التخاطب بالهاتف العادي أو الجوال إلى الفاكس إلى البريد الالكتروني إلى التخاطب بالشفرة بين قيادات الجيوش. ونعلم ان الاتحاد الأوروبي عبر عن عدم رضاه وعن جملة من الاحترازات بازاء آذان الأخ الأكبر التي أصبحت تسمع كل همسة ... خارج اطار حلف شمال الأطلسي، حيث ان أمريكا أشركت معها كندا ونيوزيلندة في مشروع ايشلون الأرجح انها وجهته أساسا نحو «الحليف الأوروبي» لتراقب تطور هذا العملاق الجديد عن كثب. واليوم يؤدي الرئيس بوش زيارة إلى بروكسل عاصمة الاتحاد الأوروبي ... ثم يطير إلى اجتماع قادة أوروبا في ستوكهولم لاقناع «الأخ الأوروبي الأصغر» بمشروع الام دي اس MDS أي (ميسيل ديفنس سيستم) أو نظام الدفاع الصاروخي الذي يطمح إلى تحويط أمريكا ـ وربما الاتحاد الأوروبي إذا وافق ـ بدرع من الصواريخ المضادة للصواريخ من نوع شبيه بالباتريوت. وهذا المشروع نشأ تحت إدارة الرئيس الأسبق رونالد ريجان في مطلع الثمانينيات تحت اسم شاعري مخيف هو حرب النجوم وكان صاحب الفكرة المرشح للرئاسة الأمريكية رجل الاقتصاد الأمريكي ليندن لاروش. وكنت شخصيا تعرفت إلى هذا الرجل الغامض والمناهض للشيوعية في عام 1984 ودعاني للغداء في «رانشه» ببنسيلفانيا ثم نظم لي موعدا أنا وبعض البرلمانيين الأفارقة في مقر البنتاجون ليتحدث الينا خبراء الدفاع الأمريكي عن مشروع حرب النجوم. وكانت مناسبة لنتعرف في عقر دار الدفاع الأمريكي على هول المشروع الشهير الذي كان موجها بالطبع في ذلك العهد ضد الخطر الشيوعي ونوايا الاتحاد السوفييتي. وأتذكر اني سألت خبير الدفاع الأمريكي بقدر معقول من السذاجة: وفي صورة اختفاء الحرب الباردة بين العملاقين أمريكا والسوفييت؟ ماذا سيكون مصير المشروع؟ فأجابني قائلا: «هذه أمور نتركها نحن لمراكز الدراسات الاستراتيجية والجامعات التي نتعامل معها ـ يقصد البنتاجون ـ فالأكاديميون ثم السياسيون هم الذين يحددون الاستراتيجية، أما نحن العسكريين فنستعد دائما لمواجهة محتملة».. ثم أضاف: «حتى لو اختفى الخطر السوفييتي فهناك قوى نووية أخرى ليست حليفة لنا حاليا». أتذكر هذا اللقاء والأحاديث المطولة مع ليندن لاروش الذي التقيته مرات عديدة بعد ذلك في باريس وبون وروما بمناسبة مؤتمرات في السياسة الدولية كان يدعوني إليها مع غيري من السياسيين والجامعيين العرب والأفارقة والآسيويين كانت مناسبات أغتنمها لخدمة وطني بما تيسر من المعلومات الجديدة والنوايا الخفية أو المعلنة، ولم يكن خافيا لا عليّ ولا على رفاقي البرلمانيين القادمين من العالم الثالث بأن غاية المصالح الأمريكية هي بالطبع كسب التعاطف لسياسات أمريكا وخياراتها ومحاولة توسيع مناطق النفوذ الذهني والنفسي ... قبل السياسي والاستراتيجي. ومنذ تلك السنوات ... 1984 كم مرت من المحن وكم هبت من العواصف على عالمنا. فقد انهار العملاق الشيوعي وركع على قدميه وقام الاتحاد الأوروبي معوضا الفراغ الرهيب ونهضت الصين مجددة عقيدتها الماوية لتدخل منظمة التجارة العالمية بقوة أي لتنخرط بصورة أو بأخرى في منظومة العولمة. وظهرت في واشنطن عقيدة سياسية جديدة في عهد دبليو بوش تقول بأن هناك دولا صعاليك أو مارقة كما يترجمها الاعلام العربي لا تزال تهدد الأمن القومي الأمريكي، والأوروبي حتى لو احترز الحليف الفرنسي على هذه النظرية التي صنفها أحد وزراء خارجية فرنسا الاسبقين ضمن نظريات «الكاوبوي». فأمريكا تعتقد ان أرضها وأمنها ومناطق نفوذها مهددة من ... كوريا الشمالية والعراق وليبيا و...إيران ثم من منظمات صنفتها هي ضمن الارهاب الدولي مثل تنظيم القاعدة، بل ان واشنطن لا تستبعد ان تملك هذه الدول وهذه المنظمات صواريخ عابرة للقارات يمكن أن تبلغ أرض الولايات المتحدة ما دامت تصل صواريخها اليوم إلى أوروبا بسواحلها الجنوبية وعمقها. وأصبح اليمين الأوروبي المتطرف يستمع لهذه النظريات باهتمام ويصدقها بل ويروجها ضد العرب والمسلمين مقدما إياهم كعدو خطير محتمل أخذ مكان الاتحاد السوفييتي. بل ان الاعلام الصهيوني رحب بهذه النظرية وتلقفها وغذتها أجهزته الاعلامية القوية من خلال تقديم برنامج الام. دي. اس كدرع ضد الاسلام أساسا بما في الاسلام طبعا من قضية القدس الشريف والصراع العربي الاسرائيلي وموقعه من الشرق الأوسط. وهذا هو الخطر الحقيقي الذي يهمنا كعرب ومسلمين لنا قضايا عادلة ومواقف سلمية ومصالح مشروعة. فلو نبدأ بتنسيق جهودنا والاتفاق على كلمة سواء تجمعنا في قطاعات الاتصال والأمن الحقيقي القومي والاسلامي وتوحيد مناهج الاقتصاد وتنسيق برامج التربية والتعليم والثقافة، لقطعنا خطوات عملية وناجحة وموفقة نحو فرض بعض حقوقنا بازاء التحديات والمظالم القاسية العاتية التي تستهدفنا صراحة وعلناً لا مراوغة وفي الخفاء. ـ أستاذ الاعلام بجامعة قطر