.. خضرة عينين، بياض بشرة ممتزج بحمرة، استدارة وجه، حضور مزهو، أشم. واقفة أمام مدخل البيت، منفردة دائما، لا تتطلع الى أسفل، لا تشارك الأخريات الحديث أو اللعب. يجيء زائرة الى أقاربها في الطابق الأرضي. عمتها تركية الأصل، وفي مشاجراتها مع الجارات تعلن أنها تمت بصلة الى وزير التموين الوفدي، وانه من أجلها سيقلب الحارة رأسا على عقب. إذ تظهر ثناء تنتابني نشوة.. تسرع حركتي، أقبل بحماس على ما تطلبه أمي، أحرص على خطوي، وألا أسف اللفظ مع الصبية الآخرين. لم يخاطب لساني لسانها إلا نادرا، ربما عند دخولي البيت أثناء وقوفها. مجرد التحية، أسرع الخطى وكأن اللقاء جاء عرضا مع إني أدبر له وأتحفز. صباح هذا اليوم عدت من عند عبدالهادي البقال ممسكا صابونة طلبت أمي احضارها. بالضبط.. أمام مسجد سيدي مرزوق وقعت عيناي على الحافظة. جلدية، نسائية، صغيرة، تطل منها حافة ورقة من أم عشرة، أبطأت الخطى، تلفت حوالي، لا أحد، بسرعة انحنيت، دسستها في جيبي خافق القلب متوالي الأنفاس، تحسستها بيدي، نقود أخرى معدنية، حاولت أن أعدها داخل جيبي، متحسسا الأحجام المختلفة، لم أفلح، أرجأت ذلك، عند طلوعي السلم أصغيت. لا أحد.. ياه.. ثمانية وعشرون قرشا. لم أقل لأمي كلمة، ستبدأ أسئلة لا نهاية لها، متى وكيف وأين.. ولماذا قبلت الحرام؟ لماذا لم أسأل عن صاحبها؟ كيف أقبل قرشا لا نعرف مصدره؟ ربما حل بنا الأذى. لم أنطق حرفا، وعندما لاحظت لهوجتي، قلت أنني سألعب في الحارة. فقالت: ألن تشبع من اللعب؟ وعندما بدأت أنزل السلم صاحت كعادتها تحذرني من الذهاب بعيدا. حاضر يا ماما.. عند المدخل رأيتها. فستانها أخضر، شعرها مسدل.. ساقاها يضويان، رائحة فواحة منبعثة منها، اقتربت منها واثقا، يدي في جيب جلبابي.. ابتسمت فتطلعت اليّ من علٍ. تشربي كوكاكولا؟ نظرت تجاهي، استمر ثباتي، حرصت ألا تبدو دقات قلبي على ملامحي.. أنت؟ أومأت. معي فلوس العيدية.. أشوف! أبرزت أم عشرة، نقلت ثقل جسدها من قدم الى أخرى. نقلت البصر بيني وبين الحارة الممتدة، لانت ملامحها. قريب؟ عند عم شمس.. قالت: دكان عم شمس مقفول.. نسيت أنه مغلق نهارا ولا يفتح إلا ليلا، قلت إني أقصد العسال بائع الخردوات. لم أشأ ذكر عبدالهادي البقال، سيقول لأبي. أومأت ثناء، تقدمتني. حرت، كيف أمشي. هل أسرع فأصبح أمامها، هل اتبعها؟ عندما نخرج مع أبي يمشي يسبقنا بخطوة أو خطوتين، لكنني لم أرها هكذا! تخطو متمهلة، واثقة، أتأخر عنها بقليل، لا أدري ماذا أقول؟ وأي كلمات أنطق؟. بين الحين والآخر تلتفت ناحيتي كأنها تتأكد من استمراري الى جوارها، عبرنا فوق الحاج ناصيف، وبين المحامي الشرعي على الجرجاوي، ومقر المشيخة الأحمدية، وسيدي مرزوق، توقفت فجأة. نظرت اليّ، أشرت بيدي.. هنا.. نسيت أنها ضيفة، ليست من بنات الحارة، لا تعرف أصحاب الدكاكين كلهم، وعمتها لا ترسلها لتقضي لها الحاجات، ابنتها ثريا الأكبر قليلا تقوم بذلك . من فضلك.. إثنين كوكاكولا.. تشرب متمهلة، عنق جميل يلوح من أساسه بمجرد ميل رأسها قليلا الى الوراء، ألاحظ ما تبقى في زجاجتها حتى لا أفرغ قبلها، عندما وضعت الزجاجة في الصندوق تبعتها أسفا، تمنيت لو طالت صحبتها، قلت ناصحا أنه من الأفضل حفظ الغطاء، بعد ازالة الفلين الداخلي، إذا أظهرت كلمة كوكاكولا فمن حقها الحصول على زجاجة مجانا. لا أصدقهم.. لم أجادلها.. تتكلم باختصار، لم أدر ماذا يجب أن أفعله. بقى معك كم؟ فوجئت، في سؤالها نية للبقاء معي، لم أخبرها عن النقود؟ ثمانية قروش.. هزت رأسها أعقبها صمت .. قلت.. تأكلي جرانيتا؟ تراجعت قليلا برأسها، أمالته الى الجنب الأيمن.. هنا.. أمام درب المسمط.. بعد أن فرغنا من الجيلاتي، قالت وهي تشبك أصابع يديها أمام بطنها وكنت مزودا بعبيرها الخاص الذي لازمني زمنا ممتدا. بقى معك كم؟ مضينا الى الخضري الحلواني ، كان يقف أمام زاوية وخانقاه بيبرس، بالضبط عند مدخل الدرب الأصفر، البسبوسة ساخنة، مغموسة بالسمن البلدي، طلبت قطعة في ورقة، لف الخضري البسبوسة بسرعة وبحذق. لابنة عمتي ثريا. تمنيت لو اشتري قطعتين، الأولى لأمي، والثانية لشقيقي الأصغر، لكنني خشيت التساؤلات التي بلا حد عن مصدر النقود. كم بقى معك؟ شربنا زجاجتي سباتس، وأكلنا أرز بلبن. واشتريت قطعة شيكولاته كبيرة، احتفظت بها مع قطعة البسبوسة، وجهها مبتسم، مبتهج، ازدادت اقترابا مني، بل أن بشرتها لامستني عندما احتك ذراعها العاري بيدي، تطلعت حولي، وبذلت الجهد كي أصبح طبيعيا، وعندي يقين أن كل الناس تتطلع الينا، وتنتبه، وتأخذ بالها منا. بقى معك كم؟ قلت إن القروش العشرة خلصت! قالت لابد من الرجوع، كانت خطواتها أسرع، وحزن بدأ عندي لأنها ستفارقني. أخفيت عنها النقود المعدنية، في الطريق أخرجت القطع المستديرة داخل جيبي حذرا، لم أشأ اظهار الحافظة الصغيرة، عند مدخل البيت حاذيتها. ثناء نعم.. تشوفي بقية العيدية.. قلت ضاحكا، سعيدا باهتمامها، إن القروش العشرة كانت من العيد الصغير، أما هذه النقود فمن العيد الكبير.. طلبت مني انتظارها، وقفت عند نهاية السلم أو بدايته ، عندي خوف ألا تأتي، لكنها نزلت الدرجات الخمس بسرعة، وقفت أمامي، كانت فواحة، عطرة، شعرها منسق، ممشط، ضحكت لي، رغبت أن أسألها عما اذا كانت عمتها استفسرت منها عن مصدر الحلوى، لكنني لم أنطق، بعد خروجنا من إطاره، تبسمت في وجهي، قالت ان بعض الأشياء تعجبها عند العسال. ثلاثة مناديل منفوشة، وأسورة حمراء فيها خطوط زرقاء، وحلق من معدن. العيدية خلصت.. نرجع لأننا تأخرنا.. ظننت أن بقية النقود ستتيح لي قضاء بقية اليوم بصحبتها بالقياس الى ما أنفقناه من قبل، لكن النقود انتهت في دقيقتين عند العسال، مدت الخطى، سبقتني، تباطأت، لم تلتفت الى الخلف، أصبحت بمفردي، اتجهت الى كوم القمامة بجوار الفرن، طوحت بالحافظة، ثم التفت بعد خطوتين، اختفت وابتعدت عني تماما.