هل الاكتساح الانتخابي العارم الذي حققه توني بلير و«حزب العمال» هو فعلا خيار الشعب البريطاني؟ مرجعية الاجابة على هذا السؤال الكبير ليست نسبة الأصوات التي حصل عليها حزب العمال بالمقارنة مع ما حصل عليه منافسه حزب المحافظين، وبالتالي ليست عدد المقاعد في مجلس العموم التي ظفر بها هذا الحزب أو ذاك. إن المرجعية الحقيقية هي ان نصف جمهور الناخبين في بريطانيا فضلوا البقاء داخل منازلهم أو الجلوس في المقاهي عوضا عن الذهاب إلى مراكز الاقتراع. ولأننا لا نعلم ماذا ستكون النتيجة الانتخابية لو ان جماهير النصف الآخر من الناخبين المسجلين شاركوا في الادلاء بأصواتهم فانه ليس من الدقة في شيء أن نقول ان فوز حزب العمال على نحو ما جرى يعكس ارادة الشعب البريطاني. وإذن فان السؤال الذي يجب أن يطرح هو: لماذا زهدت جماهير من الناخبين البريطانيين يمثلون خمسين في المئة من مجموع الناخبين في العملية الانتخابية؟ والاجابة هي ببساطة ان هؤلاء الملايين من البريطانيين الذين ابتعدوا عن مراكز الاقتراع يرفضون أصلا ما هو معروض من بضاعة حزبية بما في ذلك رفض الحزبين الكبيرين.. العمال والمحافظين معا. ومن هذا المنظور فإن ما يجري في بريطانيا لا يختلف عما يجري في البلدان الصناعية الأخرى في الغرب. إنها محنة الديمقراطية الغربية. إن جوهر هذه المحنة هو انه لم يعد هناك فارق بين الحزبين الكبيرين المتنافسين من حيث المضمون الايديولوجي. لقد ولى الزمن الذي كان فيه حزب العمال في بريطانيا يمثل فعلا جماهير الطبقة العاملة مناقضا حزب المحافظين كممثل للطبقة الارستقراطية. فقد تمكن ملوك الصناعة الرأسمالية من شراء حزب العمال فانمحت الفوارق الأساسية بينه وبين الحزب المنافس. وكان هذا ما جرى قبل ذلك في الولايات المتحدة.. فلم يعد حزب «الديمقراطيين» سوى رصيف لحزب «الجمهوريين» كممثل ثانٍ لمجموعة الشركات الصناعية العملاقة ذات الطبيعة الاحتكارية. مع اكتمال النظام الصناعي الرأسمالي في بريطانيا صار جهاز السلطة رهن أيدي الشركات الكبرى وفي خدمة مصالحها. ومع التحول الذي طرأ عبر السنين على حزب العمال من حيث التوجه الايديولوجي لم يعد للعملية الانتخابية مغزى أو معنى كوسيلة لتداول السلطة. فسواء فاز العمال أو المحافظون فإن جهاز السلطة يبقى تحت سيطرة كبرى الشركات فتنعكس هذه السيطرة على توجهات السياسات الداخلية والخارجية. ومع توالي عملية تبادل الفوز والهزيمة الانتخابية بين الحزبين الكبيرين تدرك جماهير الناخبين من الطبقات العاملة ذات الدخل المحدود ان توجهات السياسات ثابتة لا تتغير كسياسات تستهدف تكريس واقع توزيع الثروة بحيث يزداد الأغنياء غنى والفقراء فقرا. العملية الانتخابية في مجتمعات الغرب الصناعية صارت إذن تحصيل حاصل وبالتالي صار النظام الديمقراطي ديكورا خارجيا لأوضاع ثابتة على الصعيد الاقتصادي. هذه الحقيقة تزداد رسوخا بمرور السنين. فقد ظلت نسبة الاقبال على التصويت في الانتخابات البريطانية تتناقص في السنوات العشرين الأخيرة دورة بعد دورة حتى ان النسبة الحالية ـ نحو 50 في المئة ـ ليس لها مثيل في تاريخ الديمقراطية البريطانية منذ ما يقارب 80 عاما. وفي الولايات المتحدة تتدنى النسبة في كثير من الأحيان إلى 25%. إذن ما معنى الديمقراطية الغربية؟ ما معنى الحريات المدنية وسيادة القانون إذا كانت أوضاع الظلم الاجتماعي تظل ثابتة وباقية؟