يتساءل بعض المراقبين عما اذا كان رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون قد نجح اخيرا في انتزاع التزام فلسطيني بوقف الانتفاضة في مقابل وعود باستئناف مفاوضات سلمية طويلة ومعقدة. ولا تبدو الاجابة عن هذا التساؤل صعبة. فإن لم يحصل شارون بعد على مثل هذا الالتزام حتى الآن فيبدو انه في طريقه الى ذلك. الواقع ان الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات يتعرض هذه الايام الى ضغوط اسرائيلية وامريكية وعربية هائلة للقبول بوقف المواجهات في الاراضي المحتلة. وهناك شبه اجماع امريكي اوروبي على ضرورة ان تنتهز السلطة الفلسطينية هذه الفرصة، وإلا فإن البديل هو اطلاق يد شارون لتنفيذ خطته القاضية باقتحام مناطق الضفة الغربية واعادة احتلالها وطرد جزء كبير من الفلسطينيين الى الخارج، او على اقل تقدير مواصلة حصار المناطق الفلسطينية وتجويع سكانها. وازاء ذلك فإن خيارات السلطة الفلسطينية تبدو قليلة الى معدومة، فهي لا تستطيع صد الضغوط الدولية والعربية، والمضي وحدها في طريق لا تعرف نهايته، وهي بالمقابل غير قادرة على اقناع شعبها بالتخلي طوعا ودون مقابل عن سلاحه الوحيد والمتمثل في الانتفاضة وصولا الى تقرير المصير وبناء الدولة المستقلة. وهذه الحيرة الفلسطينية التي هي اقرب الى العجز، هي ما تحاول اسرائيل استغلاله والنفاذ عبره من اجل اعادة الاوضاع الى سابق عهدها قبل الانتفاضة الفلسطينية في 28 سبتمبر 2000، تمهيدا لفرض مشاريع شارون وأفكاره التصفوية بالنسبة للقضية الفلسطينية، وان تعذر ذلك كسب المزيد من الوقت على حساب الشعب الفلسطيني ومستقبله، فأين تكمن نقطة الضعف الفلسطينية حقيقة؟ قضية عادلة ولكن! ربما من المفارقات المذهلة ان القضية الفلسطينية التي مضى عليها اكثر من 50 عاما هي اكثر قضية من نوعها في العالم تملك مقادير مؤكدة من العدل والمشروعية، فالاحتلال الاسرائيلي للارض الفلسطينية لا احد يختلف حوله، ومثله تشريد الشعب الفلسطيني وسلب حقه في العيش والكرامة، وهذا كله مما وثقته الشرعية الدولية لحظة بلحظة، لكنها في الوقت نفسه من اكثر القضايا عرضة للخسارة في معناها السياسي والاعلامي. ويتساءل الكثيرون عن السبب الذي يحول دون ان يتقدم الفلسطينيون خطوة اكيدة الى الامام، رغم التضحيات الكبيرة التي ما زالوا يقدمونها منذ نصف قرن؟ هل يكمن ذلك في ضعف القيادات الفلسطينية ام في ضعف حلفائها في الدول العربية ام في قوة اسرائيل وتحالفها مع الولايات المتحدة والمعسكر الغربي عموما؟ واذا كانت قوة اسرائيل وحلفائها ليست موضع نقاش جدي، فإن ضعف الفلسطينيين ليس هو الآخر قدرا محتوما. يبدو ان المشكلة على الدوام هي ان ادراك القوة او الضعف ناهيك عن استغلالهما بالصورة الامثل، لا يبدو دائما بمثل السهولة التي يجري الحديث بها عنه. ان الكثيرين في المنطقة العربية على الاقل رأوا في الهجوم الانتحاري على ناد ليلي في تل ابيب والذي اوقع قرابة عشرين اسرائيليا عدا المئات من الجرحى، دليل قوة لدى الجانب الفلسطيني ودليل ضعف تعاني منه اسرائيل. لكن المفارقة المثيرة هي ان هذا الانفجار بالذات تمكن من قلب الامور مئة وثمانون درجة لصالح اسرائيل، او هذا على الاقل ما يبدو اليوم. فقد سارعت الولايات المتحدة وأوروبا والامين العام للامم المتحدة الى ادانة الهجوم والتضرع الى شارون «يا للمهانة» بأن لا يرد عليه كي لا تنفجر الاوضاع. لكنهم وتحت الاحساس بفداحة ما حصل بحثوا لشارون عن العذر في الوقت نفسه ان هو اراد القيام بأي عمل عدا الرد العسكري. ولم يضيع شارون الفرصة فأطلق تهديداته المعروفة للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات وأعطاه مهلة 24 ساعة لايقاف المواجهات او تحمل نتائج الرد الاسرائيلي. وهكذا توجهت الانظار جميعها الى عرفات بدلا من شارون وبات على المسئول الفلسطيني الذي حمل وان بطريقة غير مباشرة مسئولية ما حدث ان يقول شيئا كي يدرأ عنه التهمة، وتاليا كي يبعد عن سلطته شبح الحرب والدمار المدعوم دوليا. والحقيقة انه اسقط في يد عرفات، فهو لا يستطيع ان يصمت لأن سكوته سيفسر على انه موافقة ضمنية على ما حدث، كما ان ادانة الانفجار لن تعتبر كافية في حد ذاتها، فكان لزاما عليه ان يعلن اتخاذ تدابير فورية كما قال بالحرف الواحد وكررها ثلاث مرات في مؤتمره الصحفي، تضمن وقف المواجهات. وهكذا استطاعت عملية انتحارية واحدة ذهب ضحيتها نحو عشرين اسرائيليا ان تحول مجرى الاحداث في حين ان اسرائيل قتلت واغتالت اكثر من 500 فلسطيني معظمهم بدم بارد ولم يطالبها احد بالاعتذار، ناهيك عن سحب قواتها من الاراضي الفلسطينية. جدوى العمليات الانتحارية ومن الطبيعي بعد ذلك ان ينتقل الجدل في الاوساط الفلسطينية وان بصورة غير مباشرة الى جدوى العمليات الانتحارية. وهنا نقف على وجهتي نظر كليهما التي تحمل قدرا من الصحة لا يستهان به، احداها: وهي اوسعها انتشارا تقول ان هذا النوع من العمليات يتناسب مع عمليات القتل والاغتيال التي تقوم بها اسرائيل ضد الفلسطينيين فهؤلاء الاخرين لا يملكون وسائل كثيرة للدفاع عن انفسهم وجه الآلة العسكرية الاسرائيلية الضخمة، كما انه من الصعب ضبط المشاعر الغاضبة للمواطنين الفلسطينيين الذين يتعرض ذووهم للقتل والتنكيل، وهذه العمليات هي وسيلة ايضا لتقوية عزيمة الفلسطينيين وحث المزيد منهم على التضحية بالنفس، ما يجعل الانتفاضة ضد اسرائيل تستمر وتتصاعد مع مرور الوقت. اما وجهة النظر الأخرى فتنطلق من ان الشعب الفلسطيني لا يحتاج في مقاومته للاحتلال الاسرائيلي لاكثر من الحجر والتظاهرات فهذه الوسائل كفيلة باقناع الرأي العام الدولي بعدالة القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه تفضح اسرائيل وتنهكها مع الوقت، وفي حين ان العمليات الانتحارية خاصة حين يكون ضحاياها من المدنيين، فإنها تجعل الاسرائيلي يبدو ضحية في نظر الكثير من شعوب العالم، او على الاقل تجعل عمليات القمع الاسرائيلية تبدو وكأنها رد فعل وبحيث يبدو الامر في النهاية ليس اكثر من عمليات قتل وثأر متبادلة وليس احتلال في جانب ومقاومة الاحتلال في جانب آخر. لكن في كل الاحوال وايا كانت نسب الصحة او الخطأ في وجهتي النظر المذكورتين، فالواضح انهما تؤشران الى نقاط ضعف فلسطينية، اهمها تعدد مصادر القرار فيما يتعلق بمقاومة الاحتلال والاختلاف حول الاساليب الواجب اتباعها في هذا الصدد، فضلا عن الاختلاف حول المفاهيم والتقديرات السياسية، الامر الذي يجعل من الصدام الداخلي امرا واردا باستمرار، عدا عن مخاطر نقل الصراع مع الاحتلال الاسرائيلي الى الداخل الفلسطيني وعبر نقاط الضعف هذه تتسلل اسرائيل، كما فعلت في السابق وكما تفعل اليوم ايضا.والمؤسف ان ذلك يحدث في وقت لا تملك فيه القيادة الفلسطينية خيارات كثيرة، وهي ستتعرض للوم كبير في الايام المقبلة حين تتضح معالم واهداف التحركات الامريكية الحالية في المنطقة وحين يتآكل الوقت او يسحب من بين اقدامها لتجد نفسها تغوص اكثر فأكثر في متاهة المفاوضات حول التفاصيل وتفاصيل التفاصيل، لكن اللوم وحده لا يغير من معطيات السياسة شيئا وهو في كل الاحوال لا يرحم الضعفاء او من تركوا انفسهم نهبا للضعف ولشارون. أين أنت يا باراك؟ ـ كاتب بحريني