ينبغي ألا تأخذنا الانطباعات الاولية حول حادثة الاعتداء على الزميل الصحافي «أحمد علي» رئيس تحرير جريدة «الوطن» القطرية باتجاه بحثها بوصفها مجرد حادث عابر او ظاهرة جزئية منعزلة عن سياق اجتماعي عام، ومعطيات واقعية شاملة. والتفاصيل التي تناولتها وسائل الاعلام، تشير الى ان اشخاصا اقتحموا مكتب رئيس التحرير، بل وأغلقوه من الداخل وأوسعوا الرجل ضربا مبرحا وأثخنوه بالجراح، ثم تركوه منهكا ينزف دماءه وولوا الادبار. هذه هي التفاصيل الظاهرة للحادثة، والتي ارى ان اهميتها تنحصر في انها تقودنا الى طرح قضية العلاقة الشائكة بين الصحافة والمجتمع، بين الرأي الصحافي وحرية الآخرين بين تحرير الصحيفة وتحرير الذات.. بل تقودنا مجددا الى الموازنة بين قلم صحافي يكتب في خدمة قضية عامة ويتلمس الهموم الحقيقية للمجتمع وقلم صحافي آخر يتخذ من الكتابة وسيلة لتحقيق مصالح شخصية او حاجة ذاتية، سواء بخبر كاذب او ناقص او مشوه، او بتعليق مغرض يخاصم الحقيقة ويضلل الجمهور. ثم تتعين الموازنة كذلك بين الرأي المكتوب في جريدة بحروف وكلمات وبين الرد على الرأي بوسائل اخرى، كالضرب او ما يتجاوز الضرب! وهي قضية كما يبدو لي تتجاوز مجرد الوقوف عند التفاصيل المباشرة للحادثة، او حتى اسبابها الظرفية، الى السعي حثيثا ومباشرا، باتجاه الكشف عما تحت السطح، والمحاولة الجادة لاعادة النظر في مفاهيمنا الاجتماعية الاساسية. اقول هذا لأن هذه القضية الاشكالية طالما طرحت من قبل في مجتمعنا العربي، بين فترة وأخرى، خاصة عند وقوع حادثة كبيرة ويثور النقاش حينا، ثم تُكنس تحت البساط اعتمادا على النسيان والتسامح دون الوصول الى نتائج محددة بصددها، ولكنها في مضمار التقدم للحريات تعيد الجدل الذي لم ينته بعد في اوساط الصحافة والكتابة العربية بين حرية الرأي ومساحة الحرية المتاحة له، او بين التعبير عن الرأي العام والتعبير عن الرأي الخاص. وضع شائك لا تتوافر لدي الآن الملابسات الكاملة والدوافع الكامنة التي واكبت عملية الاعتداء وأسبابها التفصيلية سوى ما تناقلته وسائل الاعلام. لكن المناقشة هنا هي موقف مبدئي يتجاوز الحادثة بعينها، او التداعيات الناتجة عنها. لقد عرفت مجتمعاتنا العربية الصحافة بصورة عامة في مرحلة حديثة نسبيا، اما الصحافة في الخليج فهي احدث عهدا، وبعضها لم تمر على بدئه بضعة عقود من السنين. والصحافة في مجتمع صغير تندرج معظم علاقات افراده في علاقة «الوجه للوجه» تعاني في خلال ادائها لرسالتها وضعا شائكا ودقيقا، كما ان حداثة هذا النوع من النشاط الذي لم تتراكم حوله ـ حتى الآن ـ رؤى ومفاهيم وسلوكيات تعطي كل ذي حق حقه، تجعل من الكاتب وموضوع الكتابة والاشخاص والقضايا التي يكتب حولها اطرافا في معادلة شائكة ومعاناة يومية مضنية، يصاحب ذلك عدم وجود او ترسخ ما يسمى في الغرب بأخلاق المهنة، مما يسبب سيلا من الغضب يتحول من عام الى فردي، ومن مؤسسي الى شخصاني. وإن كنا قد خبرنا مفاهيم في الغرب مثل «غضب الشارع» مهفْ لفُز، وهو مفهوم يطلق على الحوادث بالغة العنف التي تحث بين سائقي السيارات كأن يخطيء احدهم على الآخر في الطريق العام، فيتبعه الاول ويرديه بالرصاص، فقد وجب علينا ان نطلق في مجتمعاتنا «غضب الكلمة» مهفْ لُْ، وهي الرد العنيف وغير المبرر والشخصي على مقال او خبر ينشر، و(غضب الكلمة) عندها سيكون مفهوما خاصا تقريبا بثقافتنا وحياتنا العربية، وربما يعكس نقصا حادا في قبول الرأي الآخر، او عدم فهم حقيقة مهمة توصل اليها آخرون: «ان الرأي لا يهزمه إلا رأي آخر»! وتاريخ الصحافة العربية مترع بقصص وحكايات من امثال ما حدث من ردود فعل حول غضب الكلمة، ولعل من اولى الحوادث التي وثقها تاريخ الصحافة العربية، عملية الاعدام التي نفذت في مجموعة من الصحافيين العرب من قبل السلطة التركية في السادس من مايو 1916، وهي الحادثة التي سميت في تاريخ العرب الحديث بالشهداء. الطرح العقلاني ولم يخل الامر من فكاهة في ذلك التاريخ الطويل نسبيا للصحافة العربية، حيث شهدت حملة عشائرية ضد صحيفة قامت لنصرة وكيل وزارة الصحة الاردنية في الخمسينيات وكان من مدينة السلط، حيث كتبت جريدة كانت تصدر آنذاك في عمان باسم «الاردن» منتقدة وكيل الوزارة حول ادائه لبعض اعمال وظيفته العامة، فما كان من العشيرة السلطة المتحمسة لابن بلدتها الا ان تنادت للنصرة واستقلت مجموعة منهم وسائط النقل الكبيرة متجهة الى عمان لأخذ الثأر لـ «ابن العم» ولم يكن الكثيرون من ركاب الحافلات المتسلحين بالأحجار والعصى يعيرون اي اهتمام فلماذا هم مجندون، غير الغيرة العشائرية والعصبية، فكان ان رجموا جريدة الاردن وتطايرت ممتلكاتها بينما خرج انيس نصر رئيس تحريرها من الباب الخلفي في حراسة الشرطة. اما تاريخ الصحافيين العرب مع العنف، فهو تاريخ طويل، فمنهم من فقد حياته بسبب ما كتب مثل رياض طه عميد الصحافيين اللبنانيين وكامل مروة صاحب ورئيس تحرير جريدة «الحياة» اللبنانية، وسليم اللوزي صاحب ورئيس تحرير «الحوادث» السابق، الذي قتل قريبا من مطار بيروت. أما الكتاب فقد خسر المجتمع العربي مجموعة منهم بسبب ما سطرته اناملهم، ففي السنوات القليلة الاخيرة ذهب فرج فودة الى جوار ربه بسبب ما خطت يداه، وكاد عميد الرواية العربية نجيب محفوظ يفقد حياته بسبب الكتابة ايضا وذهب صلاح البيطار الذي كان ينشر دورية في باريس ضحية اغتيال كما قتل حسين مروة وعبدالوهاب الكيالي في بيروت ابان الحرب الاهلية برصاص اشخاص ربما كانوا الى الجهل اقرب منهم الى المعرفة، وكذلك كاد احمد الجارالله في الكويت يفقد حياته مقابل كلمات كتبها. لابد من الاعتراف بأنه ليس كل ما يكتب وينشر في وسائل الاعلام هو من قبيل الكلام الموضوعي او الطرح العقلاني، الذي يهدف الى تحقيق المصالح العامة او تجسيد الهموم المشتركة، فالصحافة ـ او الكتابة ـ مهنة مثل سائر المهن الضرورية، ورسالة سامية ان توجهت للدفاع عن مصالح الناس وثوابت المجتمع، واذا اتخذت من داخلها آليات رقابة ذاتية تفرز الخبيث من الطيب والشخصي من العام، والذاتي من الموضوعي، بينما تبتعد هذه المهنة عن السمو والمنفعة اذا تركت نفسها نهبا للأهواء، وخضعت اقلامها للمصالح الشخصية او الضغوط التي تملى عليها من خارج الجسم الصحافي، وساعتئذ ستخلف اضرارا جسيمة في المجتمع، وستترك مرارة واحباطا في نفوس الناس، مما سينجم عنه ـ ولا شك ـ ألوان من الاحتجاج قد تصل الى حد العنف غير المنظم. كذلك لا محيد عن الاعتراف بأنه ليس هناك وسيلة من وسائل الاعلام «ليس لها مصالح ما» فحتى في الغرب الذي يرتفع فيه سقف الديمقراطية نجد ان المصالح سواء خفيت او ظهرت تكون حاضرة دائما في خلفية العمل الصحافي وتطل برأسها في صورة سياسية او تجارية. ولعل كثيرا منا يلاحظون الانتقائية التي تغلب على نشر الاخبار والتعليق عليها، فالبرغم من ان الاخبار مطروحة امام الوسائل الاعلامية كلها على قدم المساواة، فإن كل وسيلة تستخدم طرائقها في إلقاء الضوء او التعتيم او الحجب حسب رؤيتها الخاصة وتوجهها المحدد سواء كانت وسيلة الاعلام هذه صحيفة او قناة تلفزيونية او محطة اذاعية. نقطة التوازن اين اذن يكمن الحل لمثل هذه المعادلة الصعبة؟ في بلاد كثيرة هناك مؤسسات وآليات تضبط عمل الصحافة والصحافي، وتحدد نقطة التوازن بين حق الجمهور في معرفة ما يجري من حوله وحق افراد ومؤسسات هذا الجمهور من النأي بأعمالها عن الاشاعة والتحريض. ولعل المثال الآخير الذي يشي بخطورة الاعلام حيال الحياة الشخصية هو ما نقلته وكالات الانباء باستفاضة في الاسبوع الماضي حول اعتذار صحيفة لندنية بالغة التأثير والانتشار لمسئول خليجي بارز بعد ان نشرت عنه خبرا مكذوبا ومختلقا حول ممارسته المراهنة على خيوله في السباقات التي تجري في بريطانيا وقد نقلت وسائل الاعلام ان مبلغا كبيرا قدمته الصحيفة لتلك الشخصية تعويضا عن الاضرار المعنوية التي لحقت به من جراء ذاك الخبر الكاذب. ويزخر تاريخ الصحافة الغربية بمثل هذا النوع من الاعتذارات وكذلك يغص بأحكام المحاكم التي تلزم مسئولي وسائل الاعلام غرامات باهظة نتيجة التسرع في الاتهام دون دليل مادي، والعكس صحيح ايضا، فكثيرا ما كشفت الصحافة عن مظاهر الفساد والرشوة واستغلال النفوذ في ما لا يحصى من الوقائع حفاظا على مسيرة المجتمع وتطهيره. بين هذه وتلك اي بين الانفلات والتسيب من ناحية والمتابعة والرقابة من ناحية اخرى، بين المراجعة القانونية والاتهام غير المستند الى الحق واليقين، يراوح العديد من المتذمرين في هذه المنطقة الرمادية، فلا هم قادرون على تحمل تبعات الجهد والمال الذي يصرف في قضايا قانونية للبت في تلك التخرصات في حقهم، ولا هم يستطيعون السكوت عن اهدار حقوقهم. من هنا تجيء اهمية الصحافة كسلطة بل قل ان كل وسائل الاعلام التي تملك التأثير في الجمهور هي سلطة من نوع ما وكأي سلطة اخرى يمكن التعسف في استخدامها، بما يسيء الى المجتمع او بعض افراده، ولكنها من جانب آخر تظل سلطة ضرورية للتعبير عن قضايا الرأي العام والعمل كوسيط محايد او شبه محايد بين مستخدم الخدمة العامة (الجمهور) ومقدم تلك الخدمة (السلطات على اختلافها)، لذا فإن ضمير الصحافي الحق، هو كمثل ضمير القاضي العادل... فويل لمن يضربون قضاتهم! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت