حكاية الارقام المميزة اصبحت شغل الكثيرين الشاغل، ورجال المرور في دبي صاروا اشهر من المتنبي الذي كان مالئ الدنيا وشاغل الناس، والسبب الارقام المميزة، حتى لا يكاد يمر يوم دون ان نسمع قصة أو موقفا يأتينا به أحد الاخوة من قاعة المزاد في نادي ضباط دبي، وها هي رسائل الموبايل ورسوم الكاريكاتير تسجل المفارقات بشكل يبدو مضحكاً، لكنه الضحك الذي يحمل ألف معنى! ولقد دارت حوارات ونقاشات بين الناس حول بيع الارقام المميزة بالمزاد، وعلت الاصوات وهي تذكر الاسعار التي تجاوزت حاجز المليون، وبما ان الامر اصبح مثار جدل بين مؤيد ومعارض، وهذا أمر من طبيعة البشر في كل مكان، فإنه يجدر بنا ان نناقش امورنا بعيداً عن التشنج بل بهدوء وسعة صدر ورؤية شاملة تنظر الى جميع الجهات، ومن هنا نسأل: هل هناك فائدة ما أو ضرر ما من وراء عملية بيع الارقام المميزة، اقصد ضرر وفائدة الناس في المجتمع؟ واين مكمن هذا الضرر أو الفائدة؟ ثم لماذا تسابق البعض لدخول المزاد وشراء عدة ارقام دفعة واحدة وبالملايين؟ هل هي ظاهرة اجتماعية ذات دلالة اخلاقية أو نفسية أو اقتصادية معينة، ام انها سلوك انساني طبيعي جدا؟ وقبل أن نناقش الاجابات، لنتفق على أنه في كل مجتمعات الارض تقوم الحكومات بتقديم خدمات وتسهيلات لمواطنيها كحق من حقوقهم، وفي المقابل فإن الافراد يعملون وينتجون ويساهمون في تحمل اعباء ومسئوليات تلك المواطنة أو الانتماء، وجميعنا نعلم بأن مجتمعات كثيرة وغنية تفرض على افرادها ضرائب دخل عالية كمساهمة منهم في تحمل تكاليف بعض الخدمات وهي ما يعرف بالمسئولية التشاركية بين الافراد والحكومة، فماذا عندنا من كل ذلك؟ عندنا في الامارات، حكومة تقدم كل شيء، وافراد يأخذون كل شيء فلا ضرائب، ولا مطالبات، ولا ضغوطات تفرض على أي فرد من اصحاب الدخول الخيالية (اللهم زد وبارك) من اجل ان يساهموا في اي خدمة، او مشروع، اللهم إلا من تطوع مختاراً وساهم طائعا، وهؤلاء رجال معروفون بسيماهم، واسمائهم ويعرفهم الجميع، واما البقية، والتجار تحديدا (اللهم جنبنا غضبتهم) فنادراً ما يفكرون في قضية المساهمة مع الحكومة في تحمل بعض الاعباء والمسئوليات. نعود لنسأل، لماذا بيعت الارقام المميزة في المزاد؟ ولماذا سارع (بعض الناس) نحو شرائها؟ هل هو حب التميز فعلا؟ هل من التميز ان تشتري رقم سيارة بثمن يفوق ثمن السيارة نفسها؟ ربما فللناس فيما يعشقون مذاهب! وللناس فيما يتميزون ويتباهون طرق ومذاهب ايضاً! لكن السؤال الاهم هو: لماذا يريدون ان يتميزوا؟! لكن، وبعد ان يذهب أهل التميز بأرقامهم باراك الله لهم فيها وفي طريقة تفكيرهم، ماذا يبقى من الأمر؟ اعتقد بأنه يبقى الأهم، وهي الاموال أو الملايين التي دفعها هؤلاء لتوضع في خزينة الحكومة للانفاق منها على مجموعة الخدمات والمشاريع الانمائية والتعميرية والمرورية والامنية للمجتمع، اذن فعائدات الارقام تحولت الى خدمات للمجتمع يتمتع بها الافراد، وهذا هو المهم. اذن فالفكرة رائدة، وتستحق الاشادة، وهي شكل ذكي ومحترم جداً لدفع اصحاب الملايين نحو المساهمة في مشاريع وخدمات الحكومة، أليس ذلك في نطاق واجبهم نحو مجتمعهم، حتى وان تم في شكل شراء رقم يعتبره الشاري صفقة رابحة، أو مميزة بالنسبة له. طبعا الانسان المميز لا يحتاج الى رقم يميزه، لكن البعض يعتقد ان للوجاهة شروطها، كما ان للمنزل ديكوراته، وكل ينفق من سعته، وسواء اتفقنا أو اختلفنا فإن هناك من يعتقد ان التميز في رقم هاتف وسيارة ونظارة حتى ولو كان صاحبها لا يملك من حقائق التميز الشخصي شيئاً، لكن يبقى الامر وجهة نظر لا يؤمن بها سوى اصحابها فقط، وليطمئن اولئك الذين يعتقدون ان حكاية الارقام ستولد حالة من التفاوت في المعاملة بين الناس، وسيتقدم اشخاص نحو الصدارة والمقدمة بسبب ارقام سياراتهم وسيغض القانون طرفه عنهم و.. الخ، فهذا كلام لا يقوله عاقل بأية حال من الاحوال، لان القانون محفوظ وسيطبق على الجميع. أما المجاملات والمداهنات والمغازلات بسبب رقم السيارة المميز فهذه موجودة البارحة واليوم وغداً، وهي من فعل الناس أنفسهم واختيارهم، وليس من فعل الرقم، و«إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم».