جاءت الطامة الكبرى والإجراءات السريعة التي تتخذها السلطة الفلسطينية بقوة دفع رئيس الاستخبارات الأمريكية، على رأس الفلسطينيين الذين راهنوا على الانتفاضة من أجل الحصول، على جزيء من حقوقهم المسلوبة، إلا أن سلاح الاعتقال الفوري وتكميم الأفواه لهم بالمرصاد. تمر القضية الفلسطينية اليوم عبر مفاصل تضيق الخناق حول المطالبين بشيء اسمه «حقوق» حتى لا تبقى للمقاومة المشروعة لغة متداولة، وقد اعتذر عرفات عن هذه الإجراءات الاضطرارية لأن بعض الدول العربية طالبته بوقف أنفاس الانتفاضة مع المنتفضين بأي ثمن. وهو في الواقع، بلا ثمن، جاء الوقت لكي نثمن الانتفاضة الباسلة بلا ثمن يذكر، بل أكثر من ذلك، صارت الانتفاضة كابوساً مخيفاً يجب التخلص منه في لمح البصر ولو أمكن أسرع من ذلك لكان أفضل. مطلوب فوراً القبض على الانتفاضة بأي صورة من صور القبض المعروفة حية أو ميتة، المهم، ان تنتهي هذه الصورة المشرقة من حياة الأمة العربية، بحيث لا تذكر إلا على أساس أنها جزء من مصيبتنا، وكأن النكسة التي أصابت عملية السلام الضائعة هي بسبب الانتفاضة فبدونها تمام السلام. فالسياسة المتبعة حالياً هي ألا تكون من المقاومين وإلا دخلت إلى قاموس سجناء المصطلحات غير المرغوب فيها، فما أطول قواميسنا وأقصر نواميسنا التي تعيد إلينا جزءاً من الكرامة التي فقدناها منذ تدافعت وتكالبت علينا شر الأمم بلا منازع. لم نسمع في التاريخ أن السلام يفرض علينا بقوة الأطراف جميعاً إلا الطرف المعني به، في عالم المصطلحات يغرينا الفضاء المفتوح للسلام الشامل والعادل للجميع، إلا ان ما نراه عيانا ونسمعه بيانا ليس فيه رائحة السلام المنشود أو الموعود.