في شهر يوليو المقبل تحتفل مصر المحروسة بذكرى مرور 150 عاما بالتمام والكمال على انشاء سكة حديد مصر، والمعروف تاريخيا أن السكة الحديد المصرية هي الثانية من نوعها في العالم، والأولى طبعا كانت سكة حديد بريطانيا مسقط رأس الخواجة جورج ستيفنسون الأب الشرعي لقطارات السكة الحديد بكل ما يعنيه ذلك من ثورة حدثت في تاريخ انتقال البشر وبضائعهم وحوائجهم واغراضهم باستخدام طاقة البخار من مكان الى مكان. عاش الخواجة المذكور بين عامي 1781 و1848 في انجلترا، وفي عام 1814 الذي شهد غروب شمس بونابرت، استطاع ستيفنسون أن يبني أول قاطرة بخارية باستخدام الفحم في التاريخ وكان على الدنيا أن تنتظر الى أن يحل عام 1825 حين قاد صاحبنا قاطرته لتسير لأول مرة على قضبان من حديد يعاونه في ذلك ابنه روبرت الذي طبقت شهرته آفاق الدنيا واثمر هذا التعاون العائلى بناء قاطرة روكيت بمعنى الصاروخ في عام 1829 التي يعدها الاختصاصيون النموذج الأعلى أو النمط الأساسي لكل قطار حتى لحظة كتابة هذه السطور طبعا مع أخذ التعديلات والتنويعات والاضافات في نظر الاعتبار، بالمناسبة روبرت الابن لم تقتصر شهرته وحسب على حكاية قطارات (السكة الحديد) (والتعبير سوداني) بل تعدتها الى حيث ارتبط اسمه بانشاء عدد من أشهر الجسور ـ الكباري ـ في انحاء شتى من عالم القرن التاسع عشر، مابين ويلز وانجلترا وكندا، ومصر أيضا. ومن مفارقات التاريخ ان يتم تشييد أول خط حديدي في مصر، ثاني خط من نوعه في العالم في عهد واحد من اسوأ حكام المحروسة هو الوالي عباس حلمي الأول حفيد محمد علي باشا رأس الاسرة الألبانية التي حكمت مصر بين عامي 1850 و1952، مشكلة عباس اياه انه جاء بعد فترة مجيدة من الحكم هي فترة جده مؤسس الأسرة المالكة وكان رجلا كما لعلك تعلم نهضوي النزعة لدرجة أن خلع عليه المؤرخون لقب مؤسس مصر الحديثة ولقد كان عباس هذا سوداوي المزاج، مغلق الفكر، ضيق الأفق، أقنع نفسه للأسف بأن التعليم مضرة وان التنوير مشكلة وان المدارس معامل تفريخ للعيون المفتحة والعقول المتمردة مما لا يليق بحاكم شرقي أن يحتمله أو يطبقه، وهكذا شمر الوالي عباس عن ساعد الخيبة فأغلق المدارس وصفى المصانع والمعامل وبالمرة أصدر قرارا بابعاد رمز النهضة واستاذ التنوير رفاعة رافع الطهطاوي للعمل في مدرسة ابتدائية مجهولة في اقاصى السودان لايكاد عصر عباس الأول يحمل حسنات أو ايجابيات، اللهم الا في مسألتين، الأولى انه رفض اشراك العناصر الأجنبية في مشاريع تنفذ في مصر وكان في مقدمتها حفر قناة السويس وكان أن أبعد عن البلاد نفوذ المغامرين والمستعمرين الأجانب ولو الى حين، والثانية هي أن وفقه الله في لحظة بارقة لا شك فيها الى اتاحة المجال لانشاء أول خط سكة حديد امتدت قضبانه على ما تعي الذاكرة من القاهرة الى السويس، وطبعا كان الخط متواضعا والتشغيل بدائيا وادارة الحركة قاطرة يتيمة موجودة ولكن الأمر مع هذا كله كان تحولا تاريخيا بكل المقاييس، بعدها جاء الوالي محمد سعيد باشا فأنشأ خط الوجه البحري الدلتا من القاهرة الى الاسكندرية ولم يكن الهدف علم الله التيسير على (رعيتنا) بقدر ماكان الهدف هو تسهيل انتقال (أفندينا) وسائر أفراد (معيتنا السنية) من العاصمة الى الثغر المتوسطى الجميل لزوم الراحة والاستجمام و(تبديل الهواء) على نحو ما كانت تقول به مصطلحات ذلك العصر البعيد. بعدها جاء الخديوي اسماعيل في ستينيات القرن التاسع عشر فقرر أن يواصل انشاء مواصلات للسكة الحديد، ومن ثم تحول الأمر من خط في الدلتا أو خط في الصعيد ليستهل شكل الشبكة الحديدية التي تناهت الى أيام طفولتنا وقد غطت كل رقعة الشمال من وادي النيل، ولكم قيض لها أن تكون السبب في تعذيبنا ونحن أفراخ صغار اذا كانت اسئلة الامتحانات لا تلبث أن تقول بالفم المليان: ارسم يا ولد خريطة الخطوط الحديدية في الوجه القبلي أو الوجه البحري موضحا عليها اسماء المراكز الكبرى والمحطات الرئيسية التي يتوقف عندها القطار ولم يكن ذلك بالأمر الهين ولا اليسير في كل الأحوال. لا يخفى عليك كيف لعب القطار دوره الجذري في تشكيل ثقافة اجيال من بعد أجيال وفي صوغ وجدانها بل وفي تنميط سلوكياتها لا في مصر أو في انجلترا بل في كل مكان شهد السكة الحديد بقطاراتها وجداول مواعيدها وأدوات حركتها. الا ترى أفلام الوسترن الأمريكية وكيف كان القطار هو البطل الحقيقي للدراما التي حولت تلك البراري في غرب الولايات المتحدة من سطوة الكاوبوي بجحافل خيولهم وقطعان الابقار وانفلات حياتهم الى درجة الفوضى والبربرية الى حيث جاء القطار، المواعيد المرموقة ونظام الوصول والمغادرة وآداب الوداع والاستقبال، ناهيك عن المغامرات والمناوشات التي كانت تندلع بين رافضي مد الخطوط الحديدية وبين المدافعين بالبندقية عن مداها وتوسيع رقعتها باعتبارها رمزا لتقدم المجتمع وسيادة القانون. الا ترى ايضا الى دور القطار في حياة روسيا الأم المقدسة كما يسميها أبناؤها، وهو دور لم ترصده ولا تأثرنا به بفضل الافلام الروسية بقدر ما عايشناه بشجنه ووجدانية اصيلة من خلال قراءة جيلنا وأجيال من قبله ومن بعده، للأدب الروسي العظيم، لعب القطار في حياة الشعوب الروسية دورا توحيديا لبلادهم، كان قطار سيبيريا الذي يخترق براري الاستبس ومنها الى غابات الصنوبر ومن ثم الى فيافي التندرا الصحراء الجليدية الموحشة والمترامية الأطراف هو الذي يربط بين أقوام وثقافات واخلاط من البشر وبغيره ما كانوا ليعرفوا يوما انهم يمكن أن يشكلوا أمة أو دولة واحدة. ومن عجب أن جاء لينين عام 1917 ليقول للموجيك، وهم فلاحو روسيا الفقراء البسطاء انه جاءهم بالاشتراكية كي يغير بها حياتهم ويحررهم من اقطاع القياصرة والكونتات والدوقات ومن لف لفهم، قال الموجيك يومئذ: وما هذه الاشتراكية يارفيق فلاديمير ايليتش؟ اجاب لينين في محاولة لتبسيط: معناها انكم أصبحتم المالكين الحقيقيين لمقدرات البلاد. قال الراوي: يومها لم يكذب فلاحو الموجيك خبرا، ركبوا حديد عموم روسيا وعمدوا الى مقاعد القطار ينزعونها ويحملونها على أكتافهم وينزلون بها عند المحطات وحين راجعهم الموظفون اجابوا في دهشة متسائلين: ـ وماذا في ذلك، أليست هذه المقاعد من ممتلكاتنا كما قال لنا الكومراد لينين؟ وكان على الزعيم الكومراد أن يبادر فيقول لهم ان المسألة كانت مجرد تشبيه أو كانت بلاغة خطابية لا أكثر ولا أقل. ـ في مصر كان طبيعيا كذلك أن يدخل القطار حياة الناس ربما بأكثر مما دخل اختراع محدث آخر، الهاتف مثلا لم يكن له اثر شعبي فولكلوري لانه كان الى عهد قريب مقصورا على الصفوة. ولذلك اقتصر الاهتمام به على أغنية قديمة منقرضة كانت ذائعة على مايقولون في العشرينيات ومطلعها بعامية القاهرة هو: ميتين ألوه ولا حدش رد عليه. أما القطار فهو ـ كما لعلك تدري ـ من مستحدثات مجمع اللغة العربية يحيل في ذلك بداهة الى القافلة تسير في خط مستقيم في بوادي الصحراء، ولكن قبل مجمع الخالدين تلقف الناس الاسم الانجليزي من معنى البخار فابور فخلعوا على الناقلة الحديدية السحرية الجديدة اسم الباجور ومازال الاسم مرفوعا على احدى البلدات الواقعة في محافظة المنوفية في الوسط الأدنى من دلتا النيل واليها ينسب الدكتور كمال الجنزوري رئيس وزراء مصر السابق، والباجور أيضا هو اسم موقد الكيروسين الشهير الذي نشأنا وقد احتل مكانة سامقة وفريدة في مطابخ عائلاتنا، ناهيك أن تصل قدرة العائلة الى حيازة أحدث طراز منه وفي هذا السياق كان أعيان الأسرة لا يلبثون يتيهون على الجيران بأن لديهم بحمد الله وفضله (وابور جاز ماركة بريموس، الأصلي) آية على ما أصبحوا فيه من رغد الحياة والعيش الميسور. أما الوابور، فكان الكلمة التي ذاعت على ألسنة أنصاف المتعلمين، وخاصة حين امتزجت بالنسق الثقافي الوجداني العام، ودخلت قلوب الناس وافئدتهم حين ابدع المغني الشعبي المجهول أنشودته الشهيرة المفعمة بلوعة البين وشجن الفراق وحرقة الشوق الى الأهل والعشيرة والعيال بيقول يا وابور الساعة اتناشر يامجبل ع الصعيد (المتجه جنوبا الى الوجه القبلي أو الجبلي بكسر الجيم وتسكين الباء). ولأن الحياة لا تستقر على حال، فقد قابل هذا الشجن الملتاع شعر ساخر يخفف من اللوعة ويهون قسوة العيش تجسد في أبيات أرسلها الشاعر حسين شفيق المصري يقول فيها بأسلوب تهكمي بليغ طريقة الشاعر (ولي الدين يكن) وكان رجلا تركيا مفرطا في الجد الى حد الصرامة حتى لا نقول الجهامة فأراد حسين شفيق أن يغمز من فتاته ويرسل على لسانه شيئا من شعر الخفة شبه العامية الساخرة وأروع ديوانه سطورا كالتالي: وقال على لسان ولي الدين يكن: الحب أخرج مقلتي بصباعه وكوى الحشاشة باللهيب بتاعه ذهب الوابور الى بلاد أحبتي ياليتني متعلق بذراعه لكن الذي خلد الوابور في الثقافة العربية المعاصرة ثقافة الشارع أو ثقافة الوجدان العام هو الأغنية الجميلة التي كتبها الشاعر أحمد رامي وأبدع في تلحينها وأدائها الموسيقار عبدالوهاب وكان ذلك في فيلم يحيا الحب عام 1937 وهي: يا وابور قل لي رايح على فين