وضع الكاتب البريطاني لويس كارول عام 1865 عمله الكلاسيكي «أليس في بلاد العجائب» وكان ذلك الكتاب من وجهة نظر سطحية كتابا للاطفال لكنه في حقيقة امره كان عملا ذكيا ينتقد بسخرية لاذعة سخف وكذب السلطة. وقد تذكرت «أليس في بلاد العجائب» هذا الاسبوع وانا اقرأ تقارير الصحافة الاسرائيلية التي تشير الى ان الولايات المتحدة كانت على وشك تحقيق «اتفاق تاريخي» مع اسرائيل بخصوص «تجميد الاستيطان». وتبعاًَ لهذه التقارير، فإن «اعمال البناء خارج المناطق السكنية الحالية سيجمد» ويشير آخر الى ان الاتفاق المذكور ينص على انه لن يتم البدء في بناء اي مستوطنات جديدة ولن تتم مصادرة اي اراض اضافية بهدف البناء عليها ويستثنى من ذلك بناء الطرق الجديدة. اذن وبتعريف دقيق فإن هذا التجميد ليس تجميداً على الاطلاق، وهذا «الاتفاق التاريخي» يبدو ليس اكثر من تكرار للتعهدات الاسرائيلية السابقة وهي التعهدات التي نكصت اسرائيل فيها بما التزمت به. بل انه حتى من الغريب تماما اننا مات زلنا نناقش مثل تجميد المستوطنات هذا ونحن في العام 2001 فقد مضى حوالي عقد كامل من الزمان حتى الآن منذ قال وزير الخارجية الامريكي حينها جيمس بيكر بأنه حقق تسويته التاريخية، وذلك حينما نجح بيكر في محاولة لبناء الثقة اللازمة لدفع العرب والاسرائيليين نحو السلام باقناع عدد من الحكومات العربية الرئيسية في الموافقة على انهاء فرضها للمقاطعة الاقتصادية من الدرجة الثانية لاسرائيل في مقابل موافقة اسرائيل على تجميد الاستيطان. لكن منذ ذلك التاريخ تضاعف حجم المستوطنات الاسرائيلية في الاراضي المحتلة! وفيما يزعم الاسرائيليون باستمرار انهم لم يبنوا اي مستوطنات جديدة وانهم فقط سمحوا بالنمو الطبيعي للمستوطنات القائمة، فإن ادعاءاتهم تلك ليست إلا زيفاً. اذ ان ما يسميه الاسرائيليون «القدس الكبرى» محاطة اليوم فعليا «بجدار عظيم» من المستوطنات الجديدة القائمة والتي تسميها اسرائيل «امتدادا للاحياء الموجودة». ففي واقع الامر تنتشر هذه المستوطنات من تلة الى اخرى لتطوق المدينة. اما القرى الفلسطينية فقد جرى تطويقها وخنقها داخل هذه التجمعات الاسرائيلية. وفيما يستمر الاسرائيليون بالزعم انهم لن يصادروا «مزيدا من الارض» ليبنوا عليها هذه التوسعات للمستوطنات فإن هذا ايضا ليس إلا محض كذب، ذلك ان مساحات واسعة من الارض الفلسطينية التي تحيط بالمستوطنات قد استولت اسرائيل عليها مسبقاً واصبحت تعرف على انها اراضي «دولة» «اي تتحكم بها اسرائيل». والى جانب كل ذلك هناك ايضا في واقع الامر عشرات من المستوطنات الجديدة التي تم بناؤها في العقد الماضي، على انها مشاريع «خاصة» وهي ممارسة دأبت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة على اتباعها لتتملص من المسئولية لكن كل هذه المستوطنات تحصل على دعم حكومي على شكل مساعدات في البنى التحتية وتوفير الحماية. وبقدر ما يشكل هذا النمو السرطاني للمستوطنات من ضرر على الفلسطينيين فان التوسيع الرهيب لشبكة طرقات «اليهود فقط» الأمنية والتي ليست في واقع الحال بأقل من طرقات سريعة واسعة تصل المستوطنات بالقدس وتل ابيب، هذا التوسيع أكثر سوءا على الفلسطينيين ايضا. اذ ان امتدادات واسعة من الارض الفلسطينية قد تمت مصادرتها لتسهيل بناء وتشغيل هذه الطرقات وكانت نتيجة هذه الشبكة ان قطعت أوصال الاراضي المحتلة اربا اربا. كل ذلك كان نتيجة مباشرة لعملية تطبيق الخطة الليكودية الاصلية التي وضعت للارض المحتلة اول مرة في «الورقة البيضاء» التي اقرتها المنظمة الصهيونية العالمية في اكتوبر 1987 بعنوان «الخطة الرئيسة لتنمية الاستيطان في يهودا والسامرة 1979 ـ 1983 » وهذه الخطة التي اعدها ماتيتياهو دروبلس، وصفت من قبله على انها خطة «تبلور و تحقق حقنا في ارض اسرائيل». ويضع دروبلس في هذه الورقة تفاصيل خطة لبناء «المستوطنات والطرق حول مستوطنات الأقليات (اي الفلسطينيين)، وايضا فيما بين هذه المستوطنات بالتوافق مع سياسة الاستيطان التي تم تبينها في الجليل». اما مائير ميرهاف المحرر الاقتصادي في صحيفة «جيروزاليم بوست» الاسرائيلية فيقول في وصفه لهدف هذه الخطة في حديثه مع مجلة تايم في مارس 1980 بان الضفة الغربية «سيتم تقطيعها بفعل شبكة من الطرقات والمستوطنات والمعاقل المنيعة الى مجموعة كبيرة من التجمعات البشرية الصغيرة بحيث لا يعود بمقدور الفلسطينيين ان يشكلوا من جديد مساحة متماسكة من الارض تجعل من الممكن اقامة حكم ذاتي ناهيك عن الاستقلال. وكل ذلك طبعا واجه معارضة لفظية من جانب الرؤساء الامريكيين المتعاقبين ابتداء من كارتر وحتى كلينتون.. وسواء وصفوا هذا الاستيطان على انه «غير شرعي» او «عقبة في طريق السلام» او «تصرفات احادية الجانب وغير مفيدة» أو «استفزازي» او «حجر عثرة» فان المعارضة كانت واضحة الا ان فعلا حاسما او اجباريا واحدا لم يقم احد به لوقف نمو المستوطنات. وهكذا فاننا اليوم بعد 20 عاما على تحليل ميرهاف المشئوم وتحذيرات كارتر الصارمة وبعد عشر سنوات على «تسوية بيكر التاريخية» في مدريد نجد ان خطة دروبلس قد أوشكت على انتهاء تنفيذها. اذ ان 400 الف اسرائيلي وفي انتهاك للقانون الدولي الذي لا يجد من يفرض تطبيقه قد تم نقلهم الى مستوطنات في الاراضي المحتلة (بما فيها ما تسميه اسرائيل القدس الشرقية التي ضمتها) وتم تقطيع هذه الاراضي الى اجزاء. اضف لذلك ان عشرات الالاف من هؤلاء المستوطنين يشكلون وجودا منظما ومعاديا ومسلحا ليس بالاسلحة فقط بل وبعقيدة اسطورية ترتكز على الدين لا تقبل المهادنة تبيح لهم الاكتساب من الغير وتعدهم بالنصر. ويعي العديد من الاسرائيليين الخطورة التي يمثلها هذا الوضع. وهؤلاء يعرفون ان نوايا حكومتهم لم تتغير على الرغم من الخطابة التي تحيط بذلك «التجميد» الجديد. ويشير يوسي ساريد من قيادة حزب ميريتس الى ذلك بقوله «حينما تبني الحكومة مستوطنات جديدة او توسع القائمة منها فان ذلك يعني بأنها مصرة على ابقاء الاحتلال وتعميقه.. كما يشير احد المحللين العسكريين الاسرائيليين البارزين وهو زائيف شيف الى ذلك بقوله: «ان معظم الحكومات الاسرائيلية قد جربت حيلا عديدة للاستمرار في الاستيطان.. وكانت الاعذار التي تقدمها سخيفة لان كل انسان يعرف ان هناك تفسيرا وحيدا فقط للتوسع بالمستوطنات وهو خلق حقائق جديدة الهدف منها مساعدة اسرائيل في القضاء على احتمال ان يصبح الفلسطينيون قادرين على تأسيس دولتهم القادرة على البقاء. اما ميرون بينفينستي النائب السابق لعمدة القدس فقد رفض خدعة «التجميد» بالقول ان المشروع الاستيطاني «ليس مسألة سكانية ومادية يمكن قياسها بعدد الشقق المسكونة وتزايد اعداد المستوطنين. بل هو افعى متعددة الرؤوس تسيطر على ملايين الفدائين من الارض ومصادرة المياه والطرق والمشاريع الاقتصادية والميزانيات الضخمة وخصوصا الامكانيات العقارية غير المحدودة. وكان تقرير ميتشيل واضحا تماما، اذ يقول: «ان ايقاف العنف الفلسطيني الاسرائيلي سيكون من الصعب سياسيا الابقاء عليه مالم تجمد الحكومة الاسرائيلية كل نشاطها الاستيطاني.. بما في ذلك النمو الطبيعي للمستوطنات القائمة» اما هذه التقارير عن «الاتفاق التاريخي» فما هي الى نكوص درامي عن توصيات ميتشيل وبالتالي تمثل قبولا بنية اسرائيل في الاستمرار بوجودها في الاراضي المحتلة وتعميقه. ولهذا فلتعذروني اذا ما بقيت غير مقتنع «بتجميد الاستيطان» الاخير هذا المليء بالفجوات والاستثناءات. فقد زرت «ارض العجائب» هذه من قبل. ـ رئيس المعهد الامريكي العربي