ليس من المعقول او المقبول ان ينتهي مصير الشعب الفلسطيني بعد تسعة شهور من ملحمة بطولية دموية الى أيدي رموز أمنية تشربت روح اوسلو فباتت اقرب الى ذهنية القطب الاستخباراتي الامريكي جورج تينيت ، ورفيقه آفي ديشتر رئيس جهاز الامن الداخلي الاسرائيلي من ذهينة الشارع الفلسطيني. لذا فإن من حق القيادات الشعبية الفلسطينية التي تتولى امر انتفاضة الاقصى ان ينتابها قلق متعاظم وهي تسمع عن تحركات واجتماعات أمنية سرية لا يرشح عنها الا القليل جدا. من هنا نفهم تلك المبادرة الجماعية لخمسة من قادة الفصائل الفلسطينية تقدموا بمذكرة الى الرئيس عرفات تتضمن الآتي: ـ فتح حوار وطني بين مختلف الفصائل. ـ تشكيل حكومة وحدة وطنية. ـ وضع برنامج متكامل يتفق عليه الجميع. ورغم ان الرئيس عرفات رحب بالمذكرة ووعد بالنظر فيها الا ان السبب الذي يدعو للقلق الناشيء عن تقليص قضية المصير الفلسطيني الى مستوى مساومات امنية محورها كيفية تدجين الشعب الفلسطيني.. هذا السبب لا يزال قائما. اما أسوأ فصول السيناريو الذي يبدو ان اسرائيل والولايات المتحدة قد اتفقتا عليه بمساعدة اوروبية هو خلق حالة من التناقض الخطير بين السلطة الفلسطينية وقواتها وبين فصائل الانتفاضة الناشطة في الشارع بما قد يفضي الى اشتعال حرب اهلية فلسطينية. وعدا ذلك فإن فصول السيناريو الاخرى تتفاوت في درجات الخطورة. مما لم يعد موضع شك انه انعقد اجماع اسرائيلي امريكي اوروبي على تنفيس الانتفاضة بأساليب القتل البطيء. هذا هو الهدف الاستراتيجي المرحلي الذي نراه يتجسد تدريجيا على الارض تحت اسم «تثبيت وقف اطلاق النار». وعلى رأس المطالب الاسرائيلية التي تتبناها واشنطن بقوة من خلال تحركات تينيت الامنية حمل السلطة الفلسطينية على اعتقال 45 عنصرا من «حماس» و«الجهاد» و«فتح» هم القيادات الميدانية الناشطة للانتفاضة. والخوف كل الخوف هو ان تستجيب السلطة الفلسطينية، تحت الضغوط المتعاظمة، لهذا الطلب الخطير وتشرع في تنفيذه. ذلك قد يكون حقا ايذانا باشتعال الحرب الاهلية. وهذا بالضبط ما تتمنى اسرائيل والولايات المتحدة ان يتحقق اليوم قبل الغد. فإذا انطلقت قوات الامن التابعة للسلطة الفلسطينية لتنفذ امر الاعتقال فإن الصدام الدموي بينها وبين الفصائل المستهدفة سوف يكون في هذه الحالة حتميا. وهكذا تتحول الانتفاضة ضد اسرائيل الى اقتتال فلسطيني ـ فلسطيني. ولكن حتى لو لم تقع حرب أهلية فإن تصفية الانتفاضة بأسلوب القتل البطيء يبقى احتمالا قائما بالنظر الى النشاط الدبلوماسي الامني المحموم الذي نراه يتفاعل على الارض المحتلة وتورط قيادة السلطة الفلسطينية في المساومات الامنية. فإذا لم تقبل السلطة عند نهاية المساومات باعتقال العناصر القيادية الناشطة في الميدان فإنها قد توافق، مع اشتداد الضغوط، على فرض قيود على نشاط هذه العناصر او على الاقل رصد تدبيراتها وخططها وإبلاغ الاجهزة الامنية الاسرائيلية على سبيل «التنسيق الامني». المشهد اذن يتطلب تغييرا سياسيا كاسحا لوضع نهاية لانفراد القيادة التقليدية للسلطة الفلسطينية بالعمل الدبلوماسي والسياسي. انه يتطلب بصراحة، كما ورد في مذكرة الفصائل، تشكيل حكومة قومية وفق برنامج سياسي متكامل يتفق عليه الجميع.