شهد مجلس الشعب المصري في الفترة الاخيرة جلسة ساخنة كانت تستهدف اقالة وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية المصري يوسف بطرس غالي من منصبه وذلك حينما تقدم النائب الناصري ، احمد كمال بطلب استجواب الى المجلس بسحب الثقة من الوزير لاهداره مليون جنيه مصري كما اتهم النائب الحكومة المصرية بمسئوليتها عن اهدار 2.8 مليار جنيه من اموال المعاشات والتأمينات تمثل حقوق المؤمن عليهم حينما ضاربت عليها في البورصة من بين مجموع اربعة مليارات جنيه منحت للاستثمار في سوق الاموال المصرية. وعلى الرغم من ان الوزير افلت من الاقالة حيث وقع فقط على الطلب 37 عضوا على حين كان المطلوب توقيع 50 عضوا إلا ان هذا امر له ما بعده وسابقة مهمة في الاداء البرلماني العربي الذي اخذ يتطور فبعد ان كانت هذه البرلمانات عبارة عن ديكور وحلية تزين الشكل الخارجي لنظم الحكم وبالتالي كانت عبارة عن برلمانات شكلية تحولت الى مجالس برلمانية ونيابية حقيقية لها انياب ومخالب واصبحت الحكومات في العديد من الاقطار العربية تنظر بعين الاعتبار في ادائها الى تلك المجالس فتعلم ان هناك مجالس باسم الشعب ستحاسب على التقصير والاهمال ومن هنا تسعى الحكومات دائما وتحرص على ان تنال رضا المجالس صحيح ان هذا الامر مزال في بدايته في بلادنا ولا يمكن مقارنته بحال بالأداء البرلماني الغربي الذي يستطيع محاسبة الحكام وتغييرهم ولكنها خطوة مهمة في مرحلة تطور الاداء البرلماني العربي لا يمكن اغفالها او التهوين من شأنها. الطريف في الامر ان الوزير في دفاعه عن نفسه امام المجلس لم ينكر ما أورده النائب عن الاهمال والتسيب والمسئولية عن اهدار المال العام ولكنه القى التبعة على شخص آخر خارج المسئولية وهو المستشار طلعت حماد وزير مجلس الوزراء السابق والمشكلة ان هذه ليست هي المرة الاولى الذي يرد فيها اسم طلعت حماد في مسائل اهمال او تبديد المال العام فمن قبل حينما اعلن عن تبديد المال العام في صندوق مشروعات التنمية التابع لمجلس الوزراء والذي خصص لتمويل المشروعات الصغيرة للشباب قيل ان المسئول عن ذلك هو طلعت حماد فما هي بالضبط حكاية هذا الطلعت حماد؟ ولماذا يزج باسمه دائما في مناسبة او غير مناسبة؟ طلعت حماد كان مستشاراً كبيراً بوزارة العدل والمرة الوحيدة الذي قابلته فيها كان رئيسا لمجمع محاكم الجيزة وكان الرجل معروفا بنزاهته وشخصيته القوية ثم اختير بعد ذلك وزيرا في حكومة الدكتور كمال الجنزوري وكان معروفا ان طلعت حماد هو رجل الجنزوري القوي في مجلس الوزراء وكانت له خلافات مع بعض الوزراء الحاليين في مجلس الوزراء الذين كونوا جبهة في مواجهة الجنزوري وطلعت حماد وحينما سقطت حكومة الجنزوري وذهب ومعه طلعت حماد اراد بعض الوزراء تصفية حساباتهم معهم وذلك عن طريق زج اسمائهم في كل قضية فساد حدثت في ذلك العهد فمثلا قيل ان الجنزوري هو المسئول عن ازمة السيولة الذي تبددت في مشروع توشكى الذي وقف بقوة وراء تنفيذه وهو كذلك المسئول عن مشروع شرق التفريعة الذي شابت عمليات توقيع العقود فيه مع الشركات الاجنبية اخطاء واختلاسات كبيرة وسمعنا وقرأنا عن تقديم الجنزوري للمحاكمة ولكن يبدو انها مجرد فرقعة صحفية تحاول ان تجهز على ماضي الرجلين معا الجنزوري وطلعت حماد. وإلا لماذا لم يحاكم الرجلين خصوصا وان في مصر قانونا لمحاكمة الوزراء بعد خروجهم من الوزارة وقد حوكم بالفعل بعض الوزراء السابقين مثل وزير السياحة الاسبق توفيق عبده اسماعيل في قضايا فساد البنوك وهناك قضية تتحرك في داخل البرلمان المصري مقدمة من النائب توفيق السيد المشهور بحوت مدينة نصر ضد وزير الداخلية السابق اللواء حسن الالفي يقول فيها انه تعرض لابتزاز ابناء اللواء الالفي اثناء وجوده في السلطة بمحاولة مشاركته بالقوة في شركة المقاولات التي يملكها وانه فرضت الحراسة على امواله وممتلكاته وتعرض للتشهير وهرب الى ليبيا ثم عاد من جديد وسلم نفسه للسلطات، اين الحقيقة في مثل هذه الموضوعات؟ لابد من اجابات واضحة وحاسمة لانها موضوعات وقضايا تثير بلبلة وعدم ثقة في المسئولين بعامة. واذا كان ما قاله الوزير يوسف بطرس غالي صحيحا من ان طلعت حماد هو الذي اتى بالطفل المعجزة سامح الترجمان رئيسا لبورصتي القاهرة والاسكندرية الذي تسبب في اهدار المال العام كما قال الوزير فأين كان الوزير المختص عن البورصة وهيئة سوق المال حين ذاك؟ ولماذا لم يعترض على تعيين ذلك الشخص ولماذا لم يطلب محاكمته حينما وجده غير امين على مال الدولة والشعب؟ اسئلة كثيرة وغيرها لا تجد لها اجابات مما يدعم الرأي القائل الذي يتهامس به كثير من الناس في الشارع المصري بأنها مجرد حملة مقصودة تهدف الى القضاء على الرجلين معا لانهما اصبحا طرفا ضعيفا. لكن ليس معنى هذا انني اؤيد بأية حال من الاحوال السكوت على الفساد فقد تغيرت الدنيا من حولنا وشاهدنا الشعوب في العالم الثالث تحاكم الحكام عن الفساد المالي وتخلعهم من الحكم كما حدث في الفلبين مع الرئيس السابق استرادا وكما يجري الآن في اندونيسيا مع الرئيس عبدالرحمن واحد لابد من وجود قانون واضح وصريح بمحاكمة المسئول ايا كان موقعه اذا تجاوز حدوده فبدد او اهدر مال الشعب في مغامرة غير محسوبة كما حدث مع اموال الارامل والعجائز من اصحاب المعاشات في مصر بحجة المضاربة بها في البورصة فضيع على الشعب 2.8 مليار جنيه في مغامرة طائشة فهل يمكن ان يحدث ذلك في اي دولة اوروبية ان يقرر شخص ايا كان موقعه المغامرة بأموال الشعب فيبددها دون محاسبة او جزاء لابد من تحويل هذه القضايا الذي فجرها النائب الناصري كمال احمد الى النيابة العامة ونيابة الاموال العامة وجهاز الرقابة الادارية والجهاز المركزي للمحاسبات لمعرفة من المسئول عن كل هذه المهازل المالية والاخلاقية حتى نحقق الحد الادنى من الشفافية والنزاهة المطلوبة في كل من يتصدى لشغل وظيفة عامة تتعلق بمصلحة الناس واموالهم. ورغم ان المعارضة لم تنجح في الاطاحة بالوزير واستطاع الحزب الوطني الذي ينتمي اليه الوزير حمايته من ذلك إلا ان جهود المعارضة لم تذهب سدى وهي جهود تستحق الاشادة والتقدير لانها خطوات مهمة في ترسيخ قيم الديمقراطية والحرية وهي قيم حينما تتحقق على الوجه الاكمل سوف تختفي هذه السلبيات من حياتنا لان المسئول سيدرك ان وراءه من يحاسبه على اعماله وان عين الشعب لا تنام ولا تغفل عن مراقبة القائمين على شئونهم واموالهم. ـ كاتب مصري جامعة الامارات