كان التهديد الاسرائيلي بطرد رئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات من الاراضي الفلسطينية اذا لم يوقف الهجمات التي يقوم بها الاستشهاديون الفلسطينيون ضد الاسرائيليين، بمثابة الورقة الاخيرة، التي كشفت حجم المؤامرة الاسرائيلية التي يقودها ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي ضد الرئيس عرفات باعتبار الاخير يمثل الرمز الرسمي للنضال الفلسطيني طوال العقود الاربعة الماضية. كما كانت الاستجابة السريعة وغير المشروطة من الرئيس عرفات بمثابة تحقيق هدف اسرائيلي كبير في المرمى الفلسطيني. وبدا واضحا من خلال تحليل كثير من المواقف والاحداث والتصريحات الاسرائيلية خلال الايام الماضية ان خطة شارون لتدمير الرئيس عرفات كرمز للنضال الفلسطيني ترتكز على محورين. الاول داخلي: ويقوم على توسيع رقعة العداء بين الشعب الفلسطيني والسلطة الفلسطينية وزعيمها. والثاني خارجي: ويقوم على تشويه صورة عرفات في المحافل الدولية ومحاصرته ومنع استقباله من الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، ومن ثم عزله عن المجتمع الدولي ومنعه من السفر من مناطق السلطة، وهذا ما قرره الاسرائيليون واعلنوه بالفعل في الاسبوع الماضي. اما المحور الاول فقد نجح الاسرائيليون في تحقيق جوانب كثيرة منه من خلال: 1 ـ اجبار السلطة الفلسطينية على القبول بالتنسيق الامني عبر ضغوط امريكية ومطالبة السلطة بالقبض على ثلاثة واربعين من ناشطي حماس والجهاد، وكأن دور السلطة امام شعبها هو الحفاظ على اسرائيل وامنها. 2 ـ تقزيم الصراع وتحويله من صراع وجود وحق على استرجاع الاراضي الى الالتزام بوقف اطلاق النار، ومن ثم المساواة بين الجاني والضحية مما جعل الفلسطينيين يشعرون بالغبن وان السلطة تقبل بمساواة الحجر الفلسطيني بالدبابة الاسرائيلية. 3 ـ ضرب وتدمير مقار السلطة الفلسطينية دون قيام السلطة بالرد مما يظهرها عاجزة امام شعبها حتى عن الرد على النيران الاسرائيلية. 4 ـ ابراز فساد مسئولي السلطة الفلسطينية بشكل دائم في الصحافة الاسرائيلية والغربية بالتقارير والاحصاءات والاسماء احيانا، مما يدفع باتساع الهوة بين القيادة الفلسطينية وشعبها. 5 ـ دفع الرئيس عرفات للدخول في مواجهة مع شعبه وهذا ما حدث بعد اعلانه وقف اطلاق النار حيث اعلنت الفصائل الفلسطينية الثلاث عشرة رفضها لقرار الرئيس عرفات وعلى رأسها حركة فتح التي يتزعمها مما وضع عرفات في وضع حرج حول قدرته على ضبط الشارع الفلسطيني وعدم التزام القوى الفاعلة بقراراته. 6 ـ تأكيد المسئولين الاسرائيليين دائما في تصريحاتهم على ان دور عرفات ليس استعادة ارضه وانما تنفيذ ما تطلبه اسرائيل، وهذا ما أعلنه نائب وزير الامن الاسرائيلي في حوار مع اذاعة «بي. بي. سي» بثته يوم الاثنين الماضي قال فيه ما نصه «لقد كان اتفاقنا مع عرفات يوم الاثنين الماضي ما نصه «لقد كان اتفاقنا مع عرفات ان يعود الى غزة ليضرب قواعد الارهاب»! اما وزير الدفاع بنيامين بن اليعازر فقد اعلن قبله بيوم واحد ان اسرائيل تمتحن الزعيم الفلسطيني في اربعة محاور هي: «اصدار تعليمات واضحة للاجهزة الامنية بوقف النار، ثم وقف التحريض الاعلامي، والعمل على احباط عمليات يخطط لتنفيذها، وانتظار النتائج الميدانية للتأكيد على صدق نية وقف النار». هذا المخطط الاسرائيلي على الصعيد الداخلي كفيل باستنزاف قدرة الرئيس عرفات داخلياً، واظهاره امام شعبه بمظهر الرجل الذي كافح طوال اربعين عاماً حتى يكون دوره في النهاية تحقيق ما تفرضه عليه اسرائيل لحماية ما تم انجازه من اتفاقات حتى الآن، وهذا ما المح اليه جو شواهامر مراسل مجلة «نيوزويك» الامريكية والذي اختطفته احدى خلايا فتح المسلحة اختطافا رمزيا في الاسبوع الماضي حيث اشار في تقرير مطول نشر في عدد المجلة الاخير الى ان الفوضى بدأت تعم الشارع الفلسطيني من الداخل. اما على الصعيد الخارجي فإن الرئيس عرفات هو اكثر زعماء العالم تنقلا بين الدول حتى يكاد يوصف بأنه يعيش في الطائرة، ومخطط شارون يقوم في شقه الدولي على عزلة عرفات دوليا وتشويه صورته امام العالم ووصفه كما اعلن شارون بأنه «كاذب» و«ارهابي» وطالب شارون دول العالم قبل ايام بعدم استقباله استقبال الرؤساء وعدم فرش السجاد الاحمر له لانه على وصف شارون «يتزعم مجموعة من الارهابيين». هذا المخطط سوف يستنزف قدرات الرئيس عرفات ويحولها من محاولة حشد التأييد الدولي لقضيته الى التركيز على تحسين صورته التي يركز اللوبي الصهيوني الآن على تدميرها دوليا ومنع عرفات من زيارة دول غربية مؤثرة وعلى رأسها الولايات المتحدة، وقد كشفت زيارة جورج تينت مدير وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية سي. آي. آيه الاخيرة للمنطقة ان الولايات المتحدة لا تحفل بشيء إلا باسرائيل وامنها ومطالبها، وهذا يؤكد على ان الرئيس عرفات بحق في موقف تاريخي لا يحسد عليه.. فما هو الذي سيفعله لمواجهة خيوط هذه المؤامرة؟! ـ كاتب واعلامي مصري