يتحدثون في وسائل الاعلام العربية عن صفقة من نوع ما، سيدفع الفلسطينيون ثمنها، وستفك الاربطة المشدودة حول عنق الحكومة «الاسرائيلية»، الضغوطات كانت أقوى مما نتصور، وسلطة الحكم الفلسطيني اضعف من أن تقول (لا) بالفم المليان أو حتى الفاضي، لان الـ (لا) هذه ثمنها باهظ جداً! اما في «اسرائيل» فقد كانوا يتحدثون وبصوت عال جداً وفي أغلب صحفهم عن رعب يجتاح كل «اسرائيل» يشبه تماماً ذلك الرعب الذي سيطر عليهم أيام انتصارات اكتوبر المجيد عام 1973 قبل ان يمد الجسر الجوي الامريكي، وقبل ان تبدأ دبلوماسية اليهودي الداهية (كيسنجر) التي قادت لمحادثات الكيلو 101 ومهدت للزيارة وكامب ديفيد، وقضت على الانتصار وحولته الى هذيان مخنوق، وحلم في كتاب وردي لم يكتمل حتى هذه اللحظة! في البيوت الفلسطينية يتحدثون عن الشهداء الذين رحلوا الى جنات الخلد، لماذا رحلوا؟ هل كانوا هواة موت؟ أم كانوا يتسابقون منذ 28 سبتمبر الماضي نحو ملهاة موت مجاني أو عبثي؟ أو كما قال ذلك الشاب على احدى القنوات الفضائية: بعد اكثر من ثمانية اشهر من الجنازات، والدماء، والاف الجرحى والمعاقين، والثكالى والايتام، والارامل، وخنادق الحزن التي ازدادت اخاديدها في القلوب، بعد كل هذا يأتوننا ببساطة ليقولوا اوقفوا اطلاق النار عملاً بتوصيات لجنة ميتشيل؟ فماذا كنا نفعل منذ ثمانية اشهر؟ ناكل هوا؟! نعم يا سيدي جعلتكم امريكا تأكلون الهواء وتشربونه على وقع العويل والقذائف والجنازات، وموت محمد الدرة العلني برصاص نازي وقح، لأنكم بالنسبة لامريكا لاتساوون حتى الهواء، لانكم وضعتم «اسرائيل» في خانة ضيقة حشرتموها في الزاوية الاصعب، في الرعب والخوف والحصار وهي التي اعتادت على ان تحاصركم وتقتلكم في وضح النهار تحت حماية الشرطي، والسلاح الامريكي؟ فلماذا ارتكبتم هذا الجرم الفاضح؟ ومن انتم حتى تخنقوا العبرات في قلوب الشعب المختار على مراهقيه اللاهين في ملهى تل ابيب؟ اذن فلابد من تأديبكم على يد العراب الجديد رئيس السي اي ايه! لكن بماذا يتحدث اطفال الحجارة الذين ينامون كل يوم في احضان الامنيات، الامنيات بغد يقتحمون فيه الشوارع ليفرغوا هذه الحجارة التي في احضانهم على رؤوس جنود «اسرائيل» الحمقى الجبناء؟ اتمنى لو انصت لحديث صبيين من شباب الانتفاضة الذين كانوا خبرنا الوحيد الاجمل طيلة الثمانية اشهر الماضية. هؤلاء الذين نزعوا الابتسامة الوقحة من وجه شارون المتدحرج يوميا على شاشاتنا في طريقه لاجتماعات حكومته الطارئة التي لم تتوقف منذ 28 سبتمبر الماضي، هؤلاء كانوا رجالنا وكتاب العصر وشهوده وشهداءه، فأين اختفوا؟ واين اخفوا حجارتهم المباركة؟ سيعودون نجوماً تتلألأ على شاشاتنا التي عادت لظلامها وضلالها.. لابد ان يعودوا، فبهم فقط نعرف الخيط الابيض من الخيط الاسود، بهم ننتظر الفجر، اما اصحاب البدلات والكرفتات، والكراسي الوثيرة والسيارات المرسيديس التي ينزل منها امريكي يتبعه عشرة من المفاوضين العرب ليجلسوا في صالة انيقة يتبادلون الابتسامات والصور التذكارية فلا يفعلون شيئاً سوى زيادة صفحات سجل هزائمنا الذي منذ ان فتح لم يغلق حتى هذه الساعة!