عزّ الظهر كما يقولون.. والشمس في كبد السماء، أما أشعتها فتكاد تكون عمودية في هذا الوقت من العام.. درجة الحرارة تقترب من الخمسين، على أحد الطرق الخارجية تلتهم السيارة الطريق.. حيثما أرسلت النظر كان السراب على موعد معك.. تستغرب من شدة الضوء الذي ترسله الشمس في هذا الوقت من النهار الى الدرجة التي تفقد معها الأشياء معالمها.. تنظر حولك حيث تلوح على البعد شجيرات صغيرة من فصيلة صحراوية.. تبحث عن اللون الأخضر فيها فلا تجد له أثراً.. لقد استحال بفعل حرارة الشمس الى شيء أقرب ما يكون الى لون الرماد بعد انطفاء النار. سبحان الله.. لقد أودع باطن هذه الأرض كنوزاً من الثروة.. وعلى ظهرها يكتوي الناس بهذه الحرارة اللاهبة وهذا المناخ الصحراوي القاسي! هكذا تحدث نفسك محاولاً كسر رتابة الطريق الطويل الممتد أمامك.. وبين فينة وأخرى تلقي نظرة على الساعة التي تتحرك عقاربها ببطء أمامك وعداد الكيلومترات الذي تتغير أرقامه لتلغي ما قطعت من زمن ومسافة كي تعرف ما تبقى منهما. ماذا لو كمّل هذا الرخاء الذي تنعم به البلد طقس جميل معتدل أو مائل للبرودة شيئاً ما، وأمطار تحيل هذه الصحراء القاحلة الى مرابع خضراء وحدائق غناء وأنهار ومساقط مياه جميلة تغني أهلها عن السفر وشد الرحال الى بلدان الشرق والغرب كلما أزف الصيف هرباً من هذا الطقس الخانق ولهيب الشمس الحارق؟ سبحان الله (تكررها).. لا شيء في هذه الدنيا كامل كما نحب ونشتهي. فجأة.. وأنت شارد مع هذه الأفكار تلقي نظرة على مؤشر الحرارة أمامك تنتشلك من جملة أفكارك وتعيدك للواقع الذي بعدت عنه.. حرارة السيارة فوق معدلها الطبيعي وهي آخذة في الارتفاع.. ولكونك قد تعودت السفر على الطرق الخارجية في شهور العام المختلفة تدرك بالخبرة التي اكتسبتها ان هذا الارتفاع غير طبيعي وأنك على وشك التعرض لموقف صعب وأنت على بعد مئة كيلومتر على الأقل من الجهة التي غادرتها ومئة كيلومتر أخرى من الجهة التي تقصدها. يتعكر مزاجك فجأة وتردد بينك وبين نفسك: ـ تباً لهذا الحظ العاثر، هل هذا هو الوقت والمكان المناسبان لعطل من هذا النوع؟! لو كنا في الشتاء مثلاً او داخل المدينة على الأقل لأخذت السيارة الى أقرب كراج او ركنتها في أول موقف او على جانب الشارع وانصرفت. تغلق مكيف السيارة وتفتح زجاج النافذة التي على يسارك ليندفع هواء ساخن تحسبه صادراً من فرن متقد النيران، ولكنك تحتمل مضطراً على أمل ان يساعد ذلك في خفض حرارة موتور السيارة التي تبدأ فعلاً في الانخفاض قليلاً ولكنه انخفاض مؤقت ما يلبث ان يعود المؤشر بعده الى الارتفاع كلما اضطررت لتقليل سرعة السيارة كي تتجاوز مرتفعاً من المرتفعات المقامة للحد من السرعة. تمضي الدقائق بطيئة لتكتشف وأنت في قمة توترك انك لم تقطع سوى مسافة قصيرة في مدة حسبتها دهراً، وهنا تجد نفسك مطالباً باتخاذ قرار اما بالاستمرار ومواصلة قيادة السيارة ومن ثم تعريضها لخطر الاحتراق وإتلاف الموتور او التوقف على جانب الطريق والتفكير في حلول أخرى تتدخل فيها عوامل منها خبرتك في التعامل مع مثل هذه المواقف وحظوظك من مستخدمي الطريق ومدى استعدادهم لمساعدة مقطوع مثلك في توقيت ومكان غير مناسبين بالمرة. وأخيراً يتغلب العقل على الرغبة في مواصلة السير ومواجهة خسارة غير مبررة اطلاقاً فتهدئ من سرعة السيارة حتى تتوقف تماماً وتترجل منها فاتحاً غطاء المحرك للبحث عن الخلل الذي سببه بالتأكيد انخفاض مياه التبريد في «الراديتور» إما لإهمال منك حيث لم تقم بفحص مستوى الماء والزيت قبل بدء الرحلة او لتسرب الماء من الخزان عبر ثقب او اكثر في مكان ما قد لا تستطيع الوصول اليه. المشكلة الاولى التي تواجهك أنه لا يوجد لديك ماء بالسيارة لتعويض ماء التبريد الذي تسرب معظمه وتبخر ما تبقى منه عندما قمت بفتح غطاء «الراديتور» وبذلك تكون جميع الحلول غير ذات جدوى، وتصبح مشكلتك الأولى هي توفير كمية مياه وفيرة باعتبارها أولى خطوات معالجة الموقف الذي وجدت نفسك فيه على غير موعد، ولأن المصائب حين تأتي تترى فإن نظرة منك وجهتها الجهات الأربع تبعث في نفسك اليأس حيث لا أثر لمصدر يوفر لك الماء المطلوب على مرمى البصر، وهنا يصبح الأمل الوحيد هو سيارة عابرة يتلطف صاحبها بالوقوف لمساعدتك، ولأنك الطرف المحتاج للمساعدة هذه المرة فإنك تحاول ان تتذكر عدد المرات التي شاهدت فيها سيارات متوقفة، أصحابها في حاجة للمساعدة فخطر لك ان تتوقف لعرض مساعدتك عليهم، وهو ما يحدث معك الآن بالضبط حيث تمر بك سيارات كثيرة يتحاشى كثير من سائقيها النظر ناحيتك ويتشاغل بعضهم بالتحدث في هاتفه المحمول بينما تلتمس لبعضهم العذر لاكتظاظ سياراتهم بالنساء والأطفال حيث لا مجال للتفكير في مساعدة أحد وترك هذه المهمة للغير. وهكذا يمضي الوقت بطيئاً وأنت في أسوأ حالاتك النفسية، تتعجب من هذا الحظ السيئ الذي أوقعك في هذا المأزق ظهيرة يوم صيفي شديد الحرارة، وتلوم نفسك لإهمال كان يمكن تحاشيه كي لا تتعرض لموقف كهذا، يتوالى عليك مرور السيارات الفاخرة من مختلف الموديلات دون بادرة شهامة تدفع أصحابها للتوقف لمساعدتك بينما تتشبث انت بعزة نفس في غير موقعها تمنعك من طلب المساعدة من السيارات العابرة معتقداً ان فخامة سيارتك تمثل حافزاً كافياً لهم للتوقف عارضين عليك المساعدة، لكن ذلك لا يحدث على مدى أكثر من ساعة منذ أن وجدت نفسك في هذا الموقف ليأتي الفرج اخيراً على يد سائق شاحنة كبيرة ما ان يلمحك من على البعد حتى يبدأ في التقليل من سرعة شاحنته ليوقفها على بعد أمتار منك ويترجل منها عارضاً عليك المساعدة مستفسراً عن العطل الذي تعرضت له سيارتك. تنظر الى لوحة أرقام الشاحنة فتدرك انها قادمة من بلاد بعيدة ومع ذلك لم يتردد سائقها الذي لا تربطه بك اي معرفة في التوقف لتقديم المساعدة لك رغم الاعياء البادي عليه من اثر الطريق الطويل الذي قطعه، وخلال دقائق يستطيع التعرف على المشكلة ليقوم بهمة ونشاط ومهارة ـ يبدو أن الطرق الطويلة قد اكسبته اياها ـ باحضار كمية وفيرة من الماء اعتاد الاحتفاظ بها في شاحنته لمثل هذه الحالات ـ كما يقول ـ ليبدأ في ملء خزان ماء التبريد الذي تبخرت آخر قطرة ماء منه قبل ساعة من وصول هذا السائق الطيب البسيط الذي دفعته شهامته لتقديم المساعدة التي امتنع عنها الآخرون غير عابئ بالوقت الذي سيستغرقه منه ذلك والذي هو في أشد الحاجة له كي يوصل شحنته في موعدها ويخلد الى الراحة بعد عناء طريق طويل سيعود الى قطعه مرة اخرى عائداً لبلده. ينتهي السائق من مهمته وينتظر معك دقائق حتى يتأكد من عودة مؤشر الحرارة الى معدله الطبيعي، وبعد ان يزودك ببعض النصائح فيما تبقى أمامك من الطريق يتوجه الى شاحنته متمنياً لك السلامة وناصحاً بأخذ الحيطة دائماً لمثل هذه المواقف. تودعه بنظرة إعجاب وامتنان في الوقت الذي تمر فيه عليكما مسرعة سيارة فاخرة اخرى يتشاغل صاحبها بالتحدث في الهاتف المحمول كما تفعل أنت غالباً عندما ترى سيارة متوقفة على جانب الطريق في يوم صيفي قائظ كهذا ما لم يكن خلف عجلة قيادتها وجه قمري فتان لن تتأخر أنت ولا غيرك عن تقديم المساعدة له في نوبة شهامة لا تتكرر عادة مع وجوه اخرى كنت أنت واحداً منها ظهيرة ذاك اليوم الصيفي القائظ.