في دمشق.. في الخامس من يونيو والذكرى السنوية للراحل حافظ الاسد، الذي رحل ولم يصافح العدو ولم يوقع معه اتفاقاً، تقرع الابواب، تدفق نهر بشرى من ساحة الشهيد يوسف العظمة الى نصب القائد المحرر صلاح الدين الايوبي، يعلن الدعم المطلق لانتفاضة الاقصى والوقوف الى جانب شعبنا الفلسطيني البطل في مقاومته للوحشية النازية الجديدة، التي تمثلها قوة الاحتلال الصهيوني، ويفتح بوابة جديدة للعمل والامل، تلجها جموع شعبنا بثقة وقوة متطلعة الى الامة كلها ليكون لنا موقف مغاير مما يحدث في فلسطين الآن.. موقف لا يكتفي بالاحتجاج والاستنكار والندب والاستعبار، وانما يمضى الى الفعل الخلاق دعما للصمود وتوجها مبدئيا نحو التحرير. منظر مزدوج واذا كان لنا ان نستشرف لهذا الموقف تأثيرا فليس اقل من تحرك جماهيري عربي يضع حدا لفوضى العمل العربي وتضاربه، ولازدواجية الصوت الرسمي العربي في بعض الاقطار التي خرجت قبل ايام تعلن قرار لجنة المتابعة العربية بقطع الاتصال مع العدو الصهيوني لممارساته العدوانية الوحشية ضد اهلنا في فلسطين، وبادرت الى الاتصال بوزير خارجيته الثلاثاء الماضي 5 يونيو، واستنكر بعضها العملية البطولية ضد المستعمرين في الدولفيناريا على شاطيء تل ابيب المحتل؟! نحن لا نتكلم عن موريتانيا وانما نتكلم عن الاردن وعن اعتذار الرئيس عرفات، ونحن ندرك الضغوط الامريكية والاوروبية التي تقع عليه في هذا المجال. وما نخشاه، وربما كان قادما بسرعة، الا تجد السلطة الفلسطينية سنداً عربياً يمكنها من رفض مطالب شارون باعتقال عناصر حماس والجهاد الاسلامي ـ القائمة تتضمن 120 معتقلا بدأت ملاحقة بعضهم ـ توطئة لاستئناف مفاوضات التواطؤ في شرم الشيخ ضد ما تبقى من الارض والقدس وحيوية الناس، الذين يقدمون دماً وينشدون الكرامة وينادون الأمة بأعلى الصوت: ان تعالوا الينا فنحن شراة، نريد الله والوطن، ونمهر حقنا وحريتنا والقدس بالدم.. تعالوا خذوا قسطكم من الهم القومي والعمل القومي ولا تكونوا عبئا علينا مع من هم تاريخيا لنا او اعباء علينا. في دمشق ارتفع صوت يضج بما يضج به كل ذي ضمير في شارعنا العربي.. ونريد لهذا الصوت ألا يبقى هواء في فراغ.. وألا يبقى هتافا عند صلاح الدين.. وألا يبقى امنية جماهيرية على مسئوليات رسمية.. بل ان يتحول الى قوة تؤثر في الرسميين العرب، وتشكل حضوراً للشعب وارادته في ساحة القرار، حيث يكون قرار رسمي لمصلحة الانتفاضة يحميها ويبقيها ويديم المساندة المالية والمعنوية لها، ولا يسمح بإيقافها تحت اية ذرائع. واذا كان السؤال موجها الى السياسات العربية والرسميين العرب في هذا الاتجاه فإنه موجه بالقدر ذاته الى اقلام عربية في الاعلام سوغت لنفسها ادانة عملية تل ابيب «الدولفيناريا» ولا ندرى من أي موقع يصدر هذا الكلام في منابر اعلامية عربية؟! أهو من مواقع صهيونية أم امريكية ام غربية.. أم من مواقع «انسانية» ترى الى الامور من منظور مزدوج وتكيل بمكيال مزدوج ولا ترى في عمل العرب الذين يقاومون الاحتلال الصهيوني وممارساته النازية الجديدة سوى عمل ارهابي، وتخريب، وانتحار، ولا سامية مؤسفة؟؟ من أية مواقع يأتينا الرشق بنار الكلام وسمه يا ترى وبلسان عربي؟! ان مسوغهم الأول ان هذا يلحق ضررا بالقضية الفلسطينية وبصورتها لدى الآخرين، وبالعرب الذين يؤيدون هذا الفعل. واذا كان هذا هو المنطلق الظاهر والباطن، ومبعث الحرص «الانساني، القومي، الوطني» او الوطني القومي الانساني، فاننا نناشد اصحاب المواقع الانسانية تلك ـ ولا اقول المواقف الانسانية.. ان يصرحوا لنا بمواقفهم من اجتياح العدو لارضنا بالاستيطان، ولشعبنا بالرصاص الحي، ولمقدساتنا بأنواع التدنيس والتهويد.. وان يعلنوا لنا صوتهم من استخدام الرشاش الثقيل ضد محمد الدرة، والدبابة والبلدوزر ضد بيوت خان يونس واشجار الفلاحين في كل فلسطين، وطائرات الـ F16 والاباتشي ضد المدن الفلسطينية، وهل ألحق هذا اذى بما يتبنونه من قضية صهيونية في المجتمعات التي يعيشون فيها وينعقون منها؟! الحكم للتاريخ ان عمليات شارون ضد شعبنا في فلسطين وتهديده لسوريا ولبنان، واستمرار مخططه الاستيطاني، كل ذلك لقي دعما امريكيا بلا حدود، وتأييدا أوروبيا فيه بعض الغمغمة التي تكبت فرح الانتصار له.. فأين كانت الأصوات الحكيمة «الانسانية» من ذلك كله؟! ونسأل: ماذا ترانا نخسر، بعد الذي خسرناه طوال سنين، اذا ما قدمنا دمنا لنحرر ارضنا.. هل نخسر القضية ام سمعة: الضحية الطيعة، ام الاتفاقيات الهزيلة. ام تخسرون من مواقعكم «الانسانية» ابتسامات التشجيع اذا لم تهاجموا امتكم حين ندافع عما تبقى لها من وجود؟! اذا كان المكسب الذي نجنيه بتجنب العمليات الاستشهادية هو انتصار المفاوض في شرم الشيخ ونجاح اتفاق اوسلو.. فلا يغرن أحد ذلك الانتصار.. فهو ريش الطائر المتطاير في عاصفة الريح الهوجاء؟! واذا كان ما تكسبون من ادانتكم لاستشهاديي الأمة الذين يقدمون دمهم من اجل الحرية والكرامة.. هو ضحكة من شقراء.. و(طبطبة) على الظهر والكتف من مسئول غربي قد يكون رجل موساد او عنصرا في الـ c.i.a وبرقية شكر من صهيوني يحتل الارض ويعمل على مشروعه وفق مراحل ذلك المشروع. فبورك لكم كسبكم، وبارك الله لنا في دمنا الذي يسطر حرفا مضيئا يقرؤه ابناؤنا القادمون ليتابعوا مسيرة التحرير، التي لن تتم الا بالقوة والجهاد والاستشهاد. تأسون من مواقعكم «الانسانية» على شباب وطلاب صهاينة يرقصون على شواطئنا ليلا ويلغون في دمنا نهارا، وتنسون ان معظم من يحمل السلاح ويقتل اهلنا واطفالنا وشبان الانتفاضة هم من اولئك الذين لا تزيد اعمارهم على خمسة وعشرين عاما. لكن يبدو من بعض ما قرأت ان هناك من هزه ذهاب شاب وفتاة للرقص فعادا بين جريح وقتيل.. وهذا التوجه نحو الفرح لا يجوز ان يكون حصاده الدم والموت.. وانا اشاطر صاحب هذه النظرة نظرته فيما اذا كان اولئك في وطنهم الأم أو سائحين في وطننا، وليسوا طغاة وبغاة في ارضنا التي يحتلونها بالقوة. واشاطره الرأي والمشاعر فيما اذا كان اولئك لا يكونون قوة قتل واحتلال في النهار تروح عن نفسها في الليل لتعود في الصباح اشد شهوة لسفك الدم وقتل العرب. ان العرب الذين يكتبون ادانات لفعل الشهداء يشاطرون السياسيين العرب الذين يتصلون بالعدو ويقدمون اعتذارا له عن النضال المشروع.. ولكن اولئك وهؤلاء لا يعبرون عن وجدان الامة، ولا يؤثرون في توجه الشارع العربي نحو دعم الانتفاضة والتمسك بخيار التحرير، كما أنهم لن يضعفوا هذا الشارع، الذي يرفض الاعتراف بالعدو الصهيوني كما يرفض كل شكل من اشكال تطبيع العلاقات معه.. و يستشعر خطر مشروع العدو في كل لحظة وخطوة وموقف كما يستشعرون المهانة بعد كل مذبحة يتعرضون لها ولا يردون عليها.. ولذلك يختارون الدفاع عن النفس انطلاقا من ايمانهم بأن صراعنا مع العدو الصهيوني هو صراع وجود وليس نزاعا على حدود. ان الدم يكتب التاريخ.. ولن يستطيع الحبر الأسود ان يوسخ الصفحات الذهبية المكتوبة بدم الشهداء على طريق تحرير فلسطين والجولان وجنوب لبنان. فنحن اخترنا طريق التحرير وهم اختاروا طريق دعم الاستعمار والتعاون مع الاحتلال.. ولكل اختيار قيمة ولكل اختيار ثمن.. والحكم للتاريخ والجماهير والأجيال القادمة. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب