لأسباب خارجة عن إرادة البعض، مرت ذكرى الخامس من يونيو هذا العام دون أن نشهد (المناحة) السنوية التي تطالب الأمة العربية كلها بلطم الخدود وشق الجيوب على ذلك اليوم الكئيب الذي لا يريدونه أن يبرح الذاكرة القومية بل ويصرون على أنه التعبير الرسمي المعتمد لتوازن القوى بين العرب وإسرائيل، بينما تقول الحقائق: إن هذا اليوم الكئيب لم يكن إلا لحظة إستثنائية في تاريخنا، وأنه لايمكن ان يكون اليوم الذي يتوقف عنده الزمن.. خاصة بعد أن قهرنا الهزيمة وعانقنا الإنتصار في أكتوبر. بالطبع.. لم يخل الأمر من بعض مقالات الشماتة التي اصبحت تثير الاحتقار حين تتصور أن إحياء الذكرى الكئيبة بنصب المناحة السنوية هو جزء أصيل من المعركة الداخلية التي تدور حول مستقبل مصر والعرب، ولم تترك بعض الفضائيات التلفزيونية الذكرى تمر دون استضافة بعض مدرسي التاريخ الذين يرتدون زي الجنرالات المزيف، و يقدمون الفتاوى فيما يفهمون وفيما لا يفهمون.. لكن الأمر لم يكن ظاهرة عامة كما تعودنا في سنوات سابقة.. ربما لأن ما يحدث فوق أرض فلسطين قد غير المناخ السياسي والثقافي،وربما لأن أصحاب (المناحة) السنوية عن الخامس من يونيو كانوا يقرنون (المناحة) بالحديث عن التطبيع مع العدو الصهيوني وبالسلام القادم والتعاون من أجل شرق أوسط جديد، وهو ما تهاوى على أرض الواقع وفي لهيب حرب الإبادة التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين والتهديدات المتتالية بضرب العواصم العربية. ذاكرة الأمة ولا يعني ذلك أننا من أنصار إخفاء الحقائق أو من الداعين لمذهب (عفا الله عما سلف) أو ممن ينكرون الهزيمة إذا وقعت، أو يطالبون بخداع الناس وتزييف التاريخ، وإنما المطلوب أن نتعامل مع التاريخ بموضوعية وبتحرر، وضمير يحرص على ذاكرة الأمة ولا يقدم لها الهزيمة كأنها القدر المكتوب عليها. نعم.. إنهزمنا في 67، هزمتنا أخطاء عسكرية وسياسية إرتكبناها، وتآمر قادة الولايات المتحدة الأمريكية بإصرار لضرب مصر وإسقاط عبد الناصر. إنهزمنا في 67 وكانت الهزيمة قاسية، ولو حدثت في أمة أخرى لكان فيها النهاية. ولكن ما حدث معنا كان مختلفا.. فرغم الخسارة الفادحة التي تكبدناها لم تستطع إسرائيل أن تفرض إرادتها علينا، ولم تستطع أن تدفعنا إلى الاستسلام، ولم تنكسر إرادة الشعب الذي خرج في 9 و10 يونيو يرفض الهزيمة ويعلن تصميمه على استعادة الكرامة وتحرير الأرض وبينما كان دايان يعلن أنه جالس بجوار الهاتف ليتلقى مكالمة عبد الناصر التي تقبل الهزيمة وتعلن الاستسلام، كانت مصر تلملم الجراح وتبدأ واحدة من أعظم المعارك في تاريخها الحديث.. معركة إعادة بناء القوات المسلحة من الصفر وإعداد المجتمع كله لساعة الثأر. وبعد أسابيع قليلة، كانت المدافع المصرية تنسف دبابات إسرائيل وتوقف زحفها في رأس العش في يوليو 67 معلنة بداية الصمود، وبعدها بأيام كانت القوات الجوية المصرية تقصف القوات الإسرائيلية في سيناء المحتلة، ومنها إلى معارك المدفعية في سبتمبر 67 التي كلفت العدو أكثر من 25 قتيلا ومئات الجرحى، وبعدها جاء إغراق المدمرة إيلات في أكتوبر بعد معركة بحرية هائلة. لتعود الروح لكل القوات المقاتلة بحر وبرا وجوا، ويدرك الجميع أن مصر تجاوزت صدمة الهزيمة ، وبدأت رحلة الثأر والتحرر مدركه أن ما أخذ بالقوة لن يسترد بغير القوة. ومع بداية الرحلة الشاقة للثأر والتحرير تظهر صلابة البنيان الذي تم إنجازه على مدى خمسة عشر عاما من عمر ثورة يوليو. فالشعب الذي رفض الهزيمة لم يكن هو الشعب الذي يعاني من الجهل والمرض والفقر كما كان الأمر قبل الثورة، ولم يكن هو الشعب الذي سلبوه كل شيء في الوطن لتنعم به القلة الثرية الفاسدة، بل كان الشعب الذي تحرر من عبوديته، وقهر العجز والجهل، وحقق الاستقلال الحقيقي، وأعاد للحياة 90% كانوا محرومين من كل الحقوق الإنسانية، وبدأ تجربة عظيمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية أعترفت بها المنظمات الدولية ووضعتها في مقدمة التجارب الناجحة ودعت الشعوب النامية للإقتداء بها. وهذا هو العامل الذي لم يضعه الأعداء في حسبانهم. كانوا يتصورون أن الملايين الذين وجدوا الحياة والكرامة في ظل الثورة سوف يقبلون الهزيمة ويتفرغون للبكاء والعويل ، ولم يتصوروا إن هذه الملايين سوف تحارب دفاعا عن الوطن الذي تسكنه ويسكنها، وسوف تدرك بخبرة آلاف السنين التي تملكها أنها أمام لحظة عابرة، وأنها قادرة على اجتياز اللحظة المهزومة.. ولابد أن تفعل. ومن هذه الجماهير، وبهذه الروح، بدأ العمل لبناء جيش المليون مقاتل من المؤهلين المدربين. وفي الطريق إلى المعركة النهائية كانت حرب الاستنزاف المجيدة التي خططت لها مصر بكفاءة وخاضتها بإقتدار لإكساب مقاتليها الخبرة والكفاءة القتالية، وإنهاك العدو وإيقاع أكبر قدر من الخسائر في صفوفه . وحرب الاستنزاف هذه كانت تمثل في كل عام الفصل الثاني في مناحة الخامس من يونيو، حيث كان بعض الجهلاء ومزوري التاريخ يهاجمونها ويصفونها بأنها حرب خاسرة تكبدنا فيها الكثير ولم تؤثر في إسرائيل إلا قليلا كان هؤلاء عن عمد أو عن جهل أو حتى عن خيانة يتصورون أن هجومهم على حرب الاستنزاف هو جزء من الصفقة التي تعاقدوا عليها على عبد الناصر حتى بعد رحيله. وكان جهلهم يصور لهم أن ما حدث في هذه الحرب هو جهد عبد الناصر وليس جهد جيش يقاتل وهو يعيد البناء في أصعب الظروف، وجهد شعب أدرك بوعيه التاريخي حجم المؤامرة الأمريكية الإسرائيلية، واعتقد بصدق أن قبول الهزيمة يعني الاستقالة من التاريخ والتخلي عن أي مستقبل. معركة الثأر في هذه الأيام كان الشهيد عبد المنعم رياض رئيس أركان القوات المسلحة المصرية وأحد أبرز القادة في هذه المرحلة بل في تاريخ العسكرية المصرية كله يقول إنه يخاف أن يتم التوصل لتسوية سياسية قبل أن تدخل مصر معركة الثأر وتنتصر فيها، لأنه بدون ذلك لن تستعيد مصر كرامتها ولا مكانتها ولن تكون أبدا كما كانت عبر العصور. وطوال أكثر من ثلاث سنوات استمرت حرب الاستنزاف التي اعترف قادة إسرائيل بأنها أول حرب في تاريخ جيش إسرائيل لا ينتصر فيها كما قال الرئيس الإسرائيلي السابق عيزرا وايزمان ، دفعت مصر في الحرب ثمنا غاليا، دمرت إسرائيل بعض المصانع في السويس، وتم تهجير أهالي منطقة القناة، وفقدت مصر رجالا بواسل ومعدات حربية.. ولكن ما كسبته مصر كان هائلا. فقد تم إنهاك العدو، وصرخت جولدا مائير من جنازات الجنود التي لا تتوقف يوما، وفهمت أمريكا استحالة استمرار الاحتلال الإسرائيلي لسيناء، كما تم استكمال تدريب القوات المصرية في لهيب المعركة ووفق أسس علمية، واكتسب الجنود خبرة القتال، وزالت آثار هزيمة يونيو إلى الأبد، وعرف الجنود أنهم قادرون على النصر في المعركة الحاسمة المقبلة. وطبقا للبيانات العسكرية الإسرائيلية خسرت إسرائيل أكثر من 70 دبابة، وثماني قطع بحرية منها مدمرة، و47 طائرة قتال متقدمة.. والأهم من ذلك خسرت 827 قتيلا و3141 جريحا، و40 طيارا، واضطرت بعد ذلك لطلب وقف القتال، وكانت مبادرة روجرز التي قبلها عبد الناصر وهو يعلم أنها لن تؤدي إلى حل سياسي، ولكنها كانت ضرورية لاستكمال بناء حائط الصواريخ على قناة السويس. لتعبر قواتنا بعد ذلك في حمايته وتحطم خط بارليف وتبدأ ملحمة الثأر والتحرير في أكتوبر 73. أوراق اللعبة والآن.. عندما تصعد إسرائيل عدوانها، وعندما تأتي التهديدات الحمقاء بنسف السد العالي وقصف القاهرة. يكون الرد أن على إسرائيل أن تفهم جيدا أن ما حدث في يونيو لن يتكرر، ولا يمكن أن يتكرر. لقد كانت لحظة عابرة في تاريخ مصر ظنت إسرائيل أنها تكتب فيها كلمة النهاية وكان ذلك ممكنا لو قبلت مصر الهزيمة ورضيت بالانكسار ولم تتعامل معها على أنها حدث استثنائي نالت به إسرائيل نصرا لا تستحقه، ودفعت فيه مصر ثمن أخطاء عديدة لم تمكن قواتها من أن تخوض المعركة ونال الجندي المصري فيها ظلما كبيرا كان لابد أن يرفعه عن كاهله وعن كاهل مصر. رفض الهزيمة في الخامس من يونيو حولها إلى مجرد حادث استثنائي في تاريخ العسكرية المصرية،وجعلها جولة في حرب بدأت ولم تنته إلا بعد ذلك بست سنوات كانت الأصعب على مصر، ولكنها ستظل وساما يزين العسكرية المصرية التي عرفت كيف تصمد وتقاوم وتنتصر في النهاية. ولعل ذلك هو الذي يفسر أن معظم الضباط والجنود الذين شهدوا الهزيمة في يونيو كانوا في طيلعة الذين عبروا في أكتوبر. أكتب هذه الكلمات وأمامي على شاشة التلفزيون مظاهرات أهلنا في الضفة وغزة في ذكرى اليوم الحزين. هم أيضا استوعبوا الدرس وأدركوا أن ما أخذ بالقوة لن يعود بغير القوة وبغير الرفض المطلق لبقاء الاحتلال إنهم يدفعون ثمن التفريط بنصر أكتوبر وعدم استغلاله سياسيا للوصول إلى السلام العادل الشامل، وثمن القبول بالتآمر الأمريكي لشق الصف العربي وتجزئة القضية ودعم إسرائيل في مخططاتها الاستعمارية، وهم يدفعون ثمن الرهان الخائب على أن التنازل للعدو سوف يدفعه لقبول التسوية السلمية، وإعطاء أمريكا أوراق اللعبة سوف يجعلها شريكا عادلا ومنصفا في مفاوضات سلام الشجعان التي استمرت عقدا كاملا دون أن تصل لنتيجة. ويجييء الخامس من يونيو هذا العام والتآمر لوأد الإنتفاضة الثانية يصل إلى مداه.. والسلطة الفلسطينية تعلن قبولها غير المشروط لوقف إطلاق النار وأمريكا تؤيد إسرائيل في رفض الربط بين ذلك وبين وقف الاستيطان. والمفاوضات تتركز على توفير الأمن والأمان لإسرائيل التي تطالب باعتقال قيادات المقاومة الوطنية الفلسطينية وتفرض تنسيقا أمنيا تريده مدخلا لحرب أهلية تتمناها بين الفصائل الفلسطينية. وكل المعروض بعد ذلك إذا نجحت الوساطات هو وقف حرب الإبادة مع استمرار الاحتلال، والسماح للفلسطينيين بالعمل في إسرائيل لبناء المستوطنات التي يعدها شارون لمليون مهاجر جديد وعد باستجلابهم خلال سنوات . أما الحل النهائي للقضايا الأساسية ففي ذمة التاريخ، وأما القدس فهي خارج أي تفاوض، وأما التفاوض فسيبدأ تحت الرعاية الأمريكية المباركة من نقطة الصفر بعد أن يتم تقسيم الضفة وغزة إلى كانتونات منعزلة ويتحول مشروع الدولة الفلسطينية إلى بلديات تتمتع بسلطات إدارية وتوفر الأمن للإحتلال الإسرائيلي. إنه منطق الخامس من يونيو تحاول إسرائيل من خلاله فرض الهزيمة على الفلسطينيين وعلى العرب وإجبارهم على القبول بما رفضوه من هيمنة إسرائيلية وفي مقابلة تبدو المقاومة الفلسطينية وكأنها القبس الباقي من نور أكتوبر العظيم. ويعرف عرفات ماذا تعني نهاية الإنتفاضة الثانية، وهو الذي قاد الإنتفاضة الأولى إلى مأزق أوسلو والمهم أن تعرف العواصم العربية الفاعلة أنها هي الأخرى ستدفع ثمن القضاء على الإنتفاضة إذا حدث ذلك. وأن الثمن سيكون كبيرا. ـ نائب رئيس تحرير أخبار اليوم المصرية