بينما الباخرة تمخر عباب البحر في تؤدة وسكينة.. وأصوات تتحدث في همس، وموسيقى تنبعث من مكان قصي.. كان لايزال في تأملاته ويده تتلاعب بخصلات شعره، واصل سرحانه وابحاره مع خياله، مبهوراً ومسحوراً بالجو الماثل أمامه، حيث السماء الصافية الموغلة في الزرقة، والماء ينساب هادئاً صافياً كأنه يستقبل في كرم الباخرة التي تجري على صفحته، وكانت هي في الجانب الآخر تعبث بأوراق في يديها وقلم رصاص يقطع المسافات بين المساحات المتاحة.. عيناها ترمقانه بين الفينة والأخرى وهو لايزال قابعاً في مكانه تلاحقه بنظرة، ثم تجول مرة أخرى بنظراتها عبر الورق الذي أسندته على فخذها الأيمن، وبيدها اليسرى أخذت تمرر القلم، وتعاود النظر إليه، ولا تخفي ابتسامة خجلى تطل من بين ثنايا ثغرها الباسم، ووجهها الحالم. وهناك في البعيد جلس اثنان كأنهما حبيبان يتهامسان، يتلامسان، يبتسمان، ينظران نظرة واحدة صوب مكان واحد، وكأنهما وحدهما في هذا العالم، لا همَّ.. لا ألم.. لا حسرة.. عالم واسع فلماذا يجعلانه ضيقاً. هو مستمر في تأملاته.. مستمتع بشروده بسرحانه مع أفكاره.. لا يهم ان طالت الرحلة فقد غادر مسقط رأسه بحثاً عن دفء، يود أن ينسى أو يتناسى عالمه المزدحم بالملل.. الغارق في الوهم، الباحث عن الألم، أمله أن يعود إلى وطنه إنساناً جديداً، يعشق الجمال، ينشد الكمال، يحقق المحال، العمر محطات محدودة، سنوات معدودة، فلماذا يهدرها في صناعة النكد؟ لماذا يعيشها في كبد؟ هي يبدو انها فرغت من لوحة كانت ترسمها، من فكرة كانت تجسدها، من لحظات هي متأكدة انها سوف تسعدها. نهضت من مكانها، حملت أوراقها، وضعت القلم جانبا، تقدمت بخطوات وئيدة كأنها إيقاع موسيقى كلاسيكية رائعة لباخ أو موزارت، تتثنى في مشيتها كغصن بان، كغزال نافر من قطيعه، كطفلة غافلت أمها عندما رأت لعبة تعشقها. كان نظرها مصوبا نحو ذلك الأسمر المزروع في مكانه، هو لم يرفع بصره ليرى القادم نحوه، هي لم تقل شيئاً، تسمرت أمامه، مدت إليه ورقة من بين كومة الأوراق، ثم ابتسمت وتراجعت قليلا ثم ذهبت لتجلس في مكانها. تأمل الورقة وجد نفسه فيها، تماما كما كان جالساً يتأمل، كما وضع راحة يده على ذقنه مسنداً إياها على فخذه، واصبع يده الأخرى تلامس خصلات شعره وتلعب بها، إنها لوحة رائعة. عندما رفع رأسه ليشكرها لم يجد سوى قلبها الذي امتلك قلبه.. وعطرها الذي اخترق أنفه، والتفت ناحيتها فوجد بقايا ابتسامة لاتزال عالقة في ثغرها، ابتسم لها لكنه لم ينبس ببنت شفه، واكتفت عيناه بارسال تحية شكر لها، لكن في قرارة نفسه تمنى لو قام من مكانه، لو تحدث إليها، لسألها عن اهتمامها به دون غيره، وما الذي جعلها تنجذب إليه، أن تدلق عطر إبداعها على الورق. أسئلة كثيرة قفزت إلى ذهنه، وقفت حائلا بينه وبينها، يود أن يذهب إليها، أن يسألها لكن الحياء منعه، ورغم أن عينيها تقولان له «محال»، إلا أن قلبها ربما يقول باصرار «تعال.. تعال»، لكن امعاناً في التمنع سرحت بعيداً عنه، وكأنها تشاغل نفسها أو تشغلها بشيء أهم لم تعره التفاتة، وهو يرقب حركاتها، ولم يجد سوى الصمت يلوذ إليه ويفتت عذاباته فيه، وانتهت الرحلة لكنها لم تغب عن باله فيكفي إنها غيرت أحواله، وجعلت حبه للحياة أكثر، ولها هي الغائبة الحاضرة أكبر. آخر نقطة أيام الدهر ثلاثة.. يوم مضى لا يعود إليك، ويوم أنت فيه لا يدوم لك، ويوم في المستقبل لا تدري ما حاله ولا تعرف من أهله.