«تأتي الحياة أحياناً بمفارقاتها المثيرة، فتضع علامة تعجب عملاقة على حادثة بعينها لكي تقول لك انتبه».. هذه الجملة استوقفتني فاستعرتها من نص لفولتير.. أما لماذا استوقفتني فلأن التفاصيل الصغيرة أحياناً تستحق ان نتوقف أمامها ونراجع انفسنا فما بالكم بالظواهر؟ لقد نقلتني هذه الجملة الى القصة التي نشرتها «البيان» أثناء تغطيتها لمزاد الأرقام المتميزة عندما وقف تاجر فحم ليقول لكل المزايدين الذين لم يعيروه انتباهاً في باديء الأمر «انتظروا سأريكم العجب وسألقنكم درساً لن تنسوه ما حييتم»، وكان الدرس سريعاً وايجابياً أمام ذهول الحاضرين، فقد حصد 12 رقماً بقيمة 14.11 مليون درهم وكمم أفواه الذين رموه بنظراتهم المريضة. هذا بدوره ينقلنا إلى أمر دائم ومتواصل وهو عدم ديمومة الأشياء، فالحضارات والدول والقوة والسيطرة والنفوذ جميعها متحركة لا تقف عند حد معين، ومن تراه ضعيفاً معدماً اليوم، ربما تراه بعد فترة قوياً متعافياً. وهكذا بالنسبة للأشخاص العاديين والمشاهير المرموقين، فمثلا كان بيل جيتس مالك شركة مايكروسوفت أغنى رجل في العالم، إلا أن القائمة الجديدة قالت له: هناك من يفوقك ثراء يا بيل، فقد انتزع اللقب منه بكل هدوء الامريكي سام روبسون ولتون الذي تملك عائلته شبكتي السوبر ماركت «ولمارت» والبريطانية «آسدا» وتقدر ثروته حوالي (65.4) مليار دولار متفوقاً على بيل جيتس فقط بثمانية مليارات جنيه استرليني! ومادمنا في سيرة الملايين نقول إن القائمة اشارت إلى أن الرجل الأكثر ثراء في بريطانيا هو جيرالد كافنديش دوق وستمنستر وتبلغ ثروته 4.4 مليارات جنيه. وفي أوروبا، فإن الرجال الاكثر ثراء هم ايضا اصحاب سوبر ماركت وهم الألمانيان كارل وتيو البرشت مؤسسا شبكة ألدي وتبلغ ثروتهما 13.3 مليار دولار ما يجعلهما في المرتبة التاسعة عالمياً. وقد تراجعت ثروة بيل جيتس امبراطور الكمبيوتر الذي ظل يحتفظ بلقب اغنى رجل في العالم لأكثر من ثلاث سنوات نظراً للهبوط العالمي في اسعار اسهم شركات التكنولوجيا. وإذا كان الكبار يتصارعون حول قائمة اثرياء العالم، فإن الصغار أيضاً لهم ماراثونهم الخاص، ففي العام المقبل سيدخل الأمير ألبرت ماريا عامه الثامن عشر، وبالتالي سيتخلص من حبل الوصاية الذي تفرضه عليه المحكمة منذ العام 1991، وعلى ثروته الضخمة. لقد أصبحت الثروة ملكاً له، وهو ابن السابعة عندما توفي والده الأمير الالماني جوهانيس في العام 1991 مخلفاً له سلسلة عقارات وثروته تقدر بمليارات الدولارات. وكان الأمير جوهانيس قد تزوج وهو في الرابعة والخمسين من العمر، مثيراً بزواجه الذهول والاستغراب بين العائلات الاوروبية النبيلة، اذ أن الزوجة التي اختارها هي جلوريا فون وكانت تبلغ آنذاك عشرين عاماً وهي متحدرة من أسرة ألمانية فقيرة، إلا أن جلوريا الذكية استطاعت ان تسلط الأضواء على نفسها من خلال الحفلات المذهلة التي كانت تقيمها، ومن خلال مرافقتها لزوجها الذي كانت تطلق عليه اسم غلودي. وقد أسفر زواجها عن انجاب ابنتين هما ماريا واليزابيث قبل ان تنجب الأمير ألبرت في العام 1984 الذي حل بقدومه مشكلة الوريث لزوجها. عموما ما دمنا نتكلم عن حمى المال والملايين انقلكم الى هولندا لأحدثكم عن الهبات المجانية التي تحملها الصدفة أحياناً، فقد حدث خلال هذا العام وبالتحديد قبل شهرين، أن انتقمت آلة صرف نقود هولندية من تاريخ البلاد المعروف بالبخل ومنحت زبائنها آلافاً من «الغيلدرات» وهي العملة المحلية. ولم تتوقف موجة الكرم الحاتمي التي انتابت الآلة كما اشار الخبر الذي نشرته الزميلة «الحياة» إلا بعد تدخل الشرطة وتفريقها بالقوة مئات الأشخاص الذين اصطفوا أمامها في انتظار دورهم بعدما اكتشفوا انها تقدم أوراقاً مالية من فئة المئة غيلدر التي تساوي 50 دولاراً للزبون بمعزل عن المبلغ الذي يطلبه. واستمرت نوبة الكرم الحاتمي لدى الآلة سبع ساعات اغتنى خلالها آلاف الطلبة الجامعيين الذين يشكلون 50% من سكان المدينة المتخصصة بالدراسات التقنية الرفيعة. ولكن هل تقف مثل هذه التناقضات عند مجتمعات بعينها ولا تصيب أخرى؟ يبدو أن الأجابة ستكون بالنفي، فالتناقضات هي سمة من سمات الحياة التي تتواصل بحلوها ومرّها، ومن يلتفت حوله في زوايا المجتمعات ير عجباً، ناس تصرف الملايين في لحظات وأخرى تعيش حياة التقتير وقصر ذات اليد.. وحتى لا اقف هنا لأمارس دور الواعظ انتقل عنوة الى روسيا التي تواجه فقراً مدقعاً، ففي روسيا الفقيرة يلعب الناس على المتناقضات، فيمارس اثرياء روسيا الفقيرة الآن نمط حياة وكأنهم مخلوقات من خارج الكرة الأرضية، فالترف الذي يغرق فيه كبار الموظفين ورجال الاعمال يصيب بالذهول حتى الغربيين الذين اعتادوا اصلاً على حياة البذخ. وتشير صحيفة سيفودنيا الروسية إلى أن حالة البذخ المثيرة أمام حالة العوز تثير التساؤل، وتضرب مثلاً بمكتب مدير شركة غاز مشيرة إلى أن أثاثه يرجع الى القرن التاسع عشر ومقابض ابوابه مرصعة بالذهب. وتقول ان النخبة الروسية لا تبخل بالمال لدى اختيارها أفخم المطاعم في موسكو، اذ ينفق الاغنياء نحو 500 دولار على صحن واحد من السمك أما الهدايا التي يتبادلها الأثرياء فتستحق هي ايضاً قدراً من الاهتمام، فآخر صرعة في العالم هي ان يهدي الرجل إلى المرأة حقيبة يد وحزاماً وشالاً بلون عينيها، ولا يقل ثمن ذلك عن ألف دولار، بيد أن السيارة تبقى هي الهدية المرغوبة أولاً. لهذا ونحن نعيش زمن التناقضات فلا يضير فحّاماً أن يهدي أولاده ارقاماً متميزة بمبلغ تافه يبلغ فقط 14 مليون درهم لا غير، فسبع ساعات من الكرم الحاتمي لآلة محمومة وسبع ساعات لمزاد على الارقام، يبدو انها ساعات مثيرة تستحق الصبر والمتابعة والعناء!