هل تتبخر الانتفاضة الفلسطينية في هدوء؟ هل يجري الاجهاز عليها بجرعات من السم ذي المفعول البطيء؟ ربما لا يكون هذا مصيرها بالحتمية. لكن الخطر على مصيرها يظل ماثلا اذا تمادت قيادة السلطة الفلسطينية في التعاطي التفاوضي بشأنها مع الاسرائيليين على اسس استخباراتية وأمنية صرفة بإشراف من مدير وكالة الاستخبارات الامريكية. ان اجيالا كاملة من العناصر القيادية الاستخباراتية في الاجهزة الامنية الاسرائيلية ترتبط عضويا مع رصفائها في الاستخبارات الامريكية وفق اتفاقيات وترتيبات مسبقة.. وعلى خط مواز هناك جيل استخباراتي من السلطة الفلسطينية ودول عربية يجمعه رباط مهني متين مع وكالة الاستخبارات الامريكية ايضا وفلسفتها ورؤيتها. وبغض النظر عن تنوع الصيغ السياسية التي تبتكرها الولايات المتحدة مع اسرائيل تحت اسم «وضع نهاية للعنف المتبادل» بين الفلسطينيين والاسرائيليين فإن الهدف الأوحد المتفق عليه سلفا هو قتل الانتفاضة الفلسطينية واتخاذ تدابير حازمة لضمان عدم احيائها. من هنا تختزل القضية الفلسطينية برمتها وتاريخوا وأبعادها في «حالة» امنية لا تعالج الا بوسائل استخباراتية. وهذا هو المغزى الاوحد لزيارة مدير وكالة الاستخبارات الامريكية جورج تينيت الى المنطقة وما رتب لنفسه من اجتماعات ولقاءات بالغة السرية. هذه الاجتماعات المشبوهة عقدت على خلفية افق سياسي يتقلص عمدا بالتدرج المريب بحيث اخذ المستوى التناولي للقضية المطروحة يتهابط من «الارض مقابل السلام» الى «الامن مقابل السلام».. ثم الى «تجميد الاستيطان مقابل السلام».. وأخيرا الى «الغذاء مقابل السلام».. أي ان يستسلم الفلسطينيون في مقابل ان تفك القوات الاسرائيلية الحصار المضروب على المدن والقرى الفلسطينية بما في ذلك السماح بدخول المواد التموينية الضرورية للحياة اليومية. وإذ ليس من المتصور ان تنتهي الاتصالات والحيل الامنية في الاجتماعات واللقاءات التي نظمها مدير الاستخبارات الامريكية الى موافقة فلسطينية تامة على اخماد الانتفاضة والمقاومة مقابل لا شيء، اما ما يشبه اللاشيء فإن الخطر الذي يظل ماثلا هو الوقت. فلربما تكون الاستراتيجية المتفق عليها سرا بين الامريكيين والاسرائيليين قائمة على مراهنة لوأد المقاومة الشعبية بالفعل البطيء عن طريق التخدير الزمني المتعمد. ان رجال القيادتين استخباراتيتين الامريكية والاسرائيلية يدركون تماما ان عرفات ليس في موقف يمكنه من بيع الانتفاضة بثمن بخس.. ويعلمون علم اليقين ان عرفات لا يستطيع ان يطلب من القادة الميدانيين للانتفاضة طي صفحة المقاومة والعودة الى منازلهم ما لم يعد من الاجتماعات الاستخباراتية وهو يحمل في يده شيئا يوازي قيمة تصفية الانتفاضة. ولذا فإن مراهنة الامريكيين والاسرائيليين ربما تكون تعمد خلق مناخ استرخائي عام وسط الفلسطينيين يوحي وهميا لأطول أمد زمني ممكن بأن شيئا ما ايجابيا ومبشرا قد يخرج في النهاية من الاجتماعات الامنية.. ورويدا تسري روح استرخاء زائف بين كوادر المقاومة.. وتفتر الحماسة الى ان تخمد نار الانتفاضة تماما. فهل ينتبه قادة الانتفاضة الميدانيون الى عامل الوقت وهم يتابعون اجتماعات مدير وكالة الاستخبارات الامريكية على خلفية تظاهرة اعلامية تضليلية منسوجة بتصريحات وبيانات اسرائيلية وأمريكية تساندها تصريحات وبيانات عربية؟