بداية يمكننا القول أن غياب الإرادة السياسية الفاعلة، وتجاهل كل الاتفاقيات، التي أبرمت بإشراف دولي بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل، وفقدان السبل والآليات لتنفيذها بالشكل المتوازن الذي يحفظ الحقوق ولو جزئياً، قد ضاعف وبشكل متسارع من إمكانيات خلط الأوراق السياسية الأمنية. ووضع المنطقة برمتها على شفير الهاوية، وعقد الأوضاع السياسية التي كانت ترسم بشكل هادئ بعيداً عن الضجيج والصخب الدامي الذي نشهد فصوله هذه الأيام ؛ لدرجة وصل الأمر بها ومعها، إلى حالة من الضبابية التي تفتقر إلى الأهداف السياسية الواضحة عند الطرف الإسرائيلي على وجه الخصوص، بعكس ما تشيعه الأطراف الغربية، عندما تحاول تحميل الجانب الفلسطيني زوراً وبهتاناً فشل العملية السلمية في المنطقة جراء حدوث عملية استشهادية في هذه المدينة أو تلك، دون النظر إلى الأعمال العدوانية التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي، والتي تجلت بأبشع صورها في استخدام الطائرات المتطورة مثل طائرات أف 16 وطائرات الهليكوبتر من نوع أباتشي، والبوارج الحربية المتطورة. أياً تكن الأمور فقد بدأت تلوح في الأفق الشاروني، جملة من المشاريع الاحتلالية التي جربها شارون نفسه في لبنان إبان غزوه له عام 1982، والتي اعتمدت بشكل رئيسي، على قوة الآلة العسكرية المتطورة من خلال تقسيم المناطق اللبنانية إلى مربعات، ليسهل السيطرة عليها عسكرياً وأمنياً. ولعل الأقاويل والخطط التي تحاول وسائل الإعلام تسريبها بين الفينة والأخرى، لم تأت من فراغ، أو مجرد ادعاء سبق صحفي كما يحلو للبعض وصمها، بقدر ما هي تعبر فعلاً عن خطط أصبحت معدة في أقبية ما يسمى بوزارة الدفاع الإسرائيلية، بعد أن وصلت المؤسسة السياسية والعسكرية والأمنية الإسرائيلية، إلى أن التجمع الاستيطاني الإسرائيلي لا يمكنه أن يقيم حالة من التصالح القائم على الحق والعدل.لذلك وجدت هذه المؤسسة على اختلاف تسمياتها، ومن خلال رؤية استراتيجية موحدة، استناداً إلى حالة الضعف والوهن العربي، والانحياز الكلي من قبل الولايات المتحدة، وجبن الدول العظمى الأخرى، لها مناخاً ملائماً للتراجع عن كل ما وقعته أيام رابين، بما في ذلك الاتفاقيات الأمنية وملحقاتها، التي جاءت على خلفية الاتفاقيات السياسية فيما بعد. وانطلاقاً من قناعة ناتجة عن أكثر من 59% من المستوطنين، مفادها أن يهودا والسامرة هي أرض الميعاد الفعلية بالنسبة لهم، وهذه الأرض هي ما يسمى هذه الأيام بالقاموس الجغرافي الفلسطيني والعربي، الضفة الغربية، وعلى هذا الأساس أنتجت المؤسسة السياسية تماشياً وقناعة منها مع هذا الفهم، مقولة الأقلية القومية على الأرض الإسرائيلية أو اليهودية إذا شئت، أي أن الفلسطينيين المقيمين على أراضي الضفة بما في ذلك القدس، هم بسبب الانقطاع التاريخي لما يسمى بدولة اسرائيل، يعتبرون بعداد المستعمرين وليس بعداد المواطنين وأصحاب الأرض الفعليين. وقد تكون الحركة الاستيطانية المستمرة في الأراضي الفلسطينية، والآخذة بالتصاعد يوماً بعد يوم، بالإضافة إلى الأبعاد الاستعمارية، هي محاولة للتأكيد والتذكير على الدوام أن هذه الأرض هي أرض اسرائيلية «أرض الميعاد»، وأن التجمعات الفلسطينية القائمة عليها، هي بحكم الأمر الواقع وتتخذ شرعيتها فقط من الرؤية الإسرائيلية الاستراتيجية لما ستكون عليه هذه الأرض بالذات، وليس من العملية السلمية التي انطلقت من مدريد بالشكل العام.وأن ديمومة المطالبة الإسرائيلية بالتنسيقات واللقاءات الأمنية المستندة إلى هذه القناعة جملة وتفصيلاً هي محاولة للالتفاف على الاستقلال الفلسطيني، والهادف إلى إرساء شكل من أشكال التمثيل الهش بحيث يكون، أقل من دولة واكبر من حكم ذاتي، شرط ذلك أن يكون هذا الشكل حياداً عن التسمية التي ستطلق عليه، متعاوناً تعاوناً أمنياً مع المؤسسات الأمنية الإسرائيلية أولاً وأخيراً، ودون ذلك يعتبر أي تحرك وطني أو شعبي فلسطيني، هو ظاهرة إرهابية يجب اجتثاثها بكل الوسائل المتاحة. لهذه الأسباب المعلنة والمستترة، يمكننا أن نتفهم المخاوف السياسية الأمنية الدائمة، التي تبديها السلطة الفلسطينية، والمتركزة حول قضية واحدة ويتيمة، مختزلة بشن «حرب شاملة» هدفها تفكيك السلطة الوطنية الفلسطينية، واستحداث أربعة كانتونات، تفضي إلى معازل مرتبطة ارتباط كلي بالمخططات الأمنية المحلية المختلفة، حسب ما تقتضيه الظروف الأمنية من وجهة النظر الإسرائيلية.وعلى ما يبدو أن كل الدلائل تشير إلى أن شارون صاحب خطة المربعات أو الكانتونات، قد يسرع في تنفيذ خطته التي كانت حسب المصادر، مؤجلة إلى ما بعد جولته الأوروبية التي سيبدأها الفترة المقبلة، وأن الذريعة أصبحت جاهزة بعد العملية الاستشهادية الأخيرة، التي استهدفت المستوطنين على شاطئ البحر في تل أبيب والتي أودت بحياة 18 مستوطناً إسرائيلياً وأكثر من مئة جريح. وهذا الكلام كما أسلفنا القول لم يأت من فراغ، لان شارون بالأساس جاء إلى أعلى قمة السلطة في اسرائيل نتيجة توافق كل القوى اليمينية، لتنفيذ هذه الخطة، التي رسم خطوطها العريضة قبل انتخابه، ووجد كل أطراف اليمين، بما في ذلك صقور أو، ذئاب إذا جاز لنا التعبير، حزب العمل الذين يمثلهم في الحكومة الحالية وزير الخارجية شمعون بيريز، والذي لا يختلف كثيراً في رؤيته لمستقبل الضفة الغربية عن شارون أو شاس أو غيرها من هذه الأحزاب الصهيونية المتطرفة.وقد يكون شعار غزة أولاً وأخيراً، الذي رفعه شارون مؤخراً بالنسبة للفلسطينيين، هو الحل الوحيد، الذي تجمع عليه كافة الأطراف السياسية والحزبية الإسرائيلية، واعتباره حلاً نهائياً للقضية الفلسطينية. وأن كل ما يجري من إشاعات مغلفة بشيء من البيانات والتصريحات حول العودة إلى مائدة المفاوضات، هي مجرد محاولة دبلوماسية فلسطينية، هدفها تأجيل خطط شارون الجهنمية التي يسعى للقيام بها من جهة، وحشد موقف دولي عله يلجم شارون عن تنفيذ مثل هكذا مشروع. خاصة بعد أن أجمعت المصادر الإسرائيلية على أن شارون الواثق من انهيار الوساطة الأمريكية، والذي يخطط بشكل جاد لتوجيه ضربات ضد السلطة الفلسطينية سعياً إلى تقويضها بعد أن يحصل على الضوء الأخضر ولو جزئياً من الإدارة الأمريكية اثر العملية الاستشهادية في تل أبيب، وانطلاقاً من اعتقاده بأنه قد نجح في حملته الدبلوماسية قبل الشروع بها، من خلال مواقف كل الدول الأوروبية وروسيا التي أدانت العملية، والتي أظهرت الفلسطينيين زوراً بأنهم المصممين على الاستمرار بما يسمى بأعمال العنف في فلسطين. بكلام آخر فالحرب باتت سجالاً والوضع الأمني قد دخل فعلياً حيز المجهول، بل والمبهم، بعد أن تبنتها حكومة شارون بشكل نهائي، وأن طلب الجيش الإسرائيلي المتكرر في إعلان هدنة يأتي في سياق حشد تأييد الخمسة بالمئة أو ما يزيد بقليل، الرافضين للقيام بمثل هذه الخطوة الخطيرة الذي سيستخدم فيها كل صنوف الأسلحة.وباختصار يمكننا اعتبار أن طلب وزير الحكم المحلي في السلطة الفلسطينية صائب عريقات دول العالم «بسرعة التحرك الفوري لتوفير الحماية للشعب الفلسطيني»، يؤكد النية المبيتة عند الإسرائيليين في تنفيذ خططهم القاضية بتفكيك السلطة الفلسطينية في المناطق «ألف» في أريحا وبعض مدن الضفة الغربية. لكن السؤال هل سيقف الفلسطينيون والعرب موقف المتفرج على كل ما يجري؟ أم أن ثمة مواقف سياسية سوف تتغير على ساحة الوطن العربي، لتعيد المنطقة إلى ما كانت عليه بعد حرب العام 1967؟ ـ كاتب فلسطيني