الإنسان هو العلم الوحيد الذي كلما أبحرت اليه ازددت جهلا، في عالم البشر لا توجد شهادات عالية تحافظ على نفسها ولا تفقد صلاحيتها، فليس هناك شخص مهم كان مواظبا ومجتهدا يستطيع أن يدعي أنه (خبير إنساني) أو (اخصائي بشري)، أو حامل دكتوراه في (أبناء آدم). أنا شخصيا لا تعنيني الشهادات التي من هذا النوع، بل على العكس أتكاسل عن قصد حتى لا أنجح، وأبقى في مدرسة الإنسان حتى نهاية العمر، إنني غير مستعجل على التخرج، ففي اللحظة التي أتصور فيها أنني ختمت دروسي وصرت عالما أو فقيها أو مرجعا في الشئون البشرية أكون على هامش الحياة، وربما كانت هذه هي الطريقة الوحيدة كي أبقى كاتبا وصحفيا يستمد وجوده من الناس. وقد تعلمت هذا الدرس من كثرة السفر والرحيل، فالبشر أصناف وأمزجة، ولكل منهم لغة خاصة لها مفرداتها و حروفها وأبجديتها، ولو كانوا لغة واحدة كما يدّعي البعض لكنت قد كتبت موضوعا واحدا، واستقلت. لقد قطعت أكثر من 10 آلاف ميل وسافرت أكثر من 20 ساعة بينها 14 ساعة في الجو على 3 طائرات مختلفة لأعرف صورة الحياة والبشر في دولة بعيدة، في آخر الدنيا، هي (اندونيسيا) ، على بعد خطوات من (استراليا). و(اندونيسيا) واحدة من دول النمور الأسيوية التي وجدت نفسها فجأة في قفص فئران، فلا هي قادرة على استخدام أنيابها في تناول اللحم، ولا هي قابلة للاستسلام للخبز الجاف، ولا هي مستعدة للعودة الى مرحلة الحياة فوق الأشجار الاستوائية، ولا هي تستطيع أن تتحمل أعباء الأبراج والقصور التي أفرطت في بنائها، انها احدى دول الفقر المدقع والثراء الفاحش، فيها الجوع الكافر الى حد الانيميا والشبع الكافر الى حد التخمة، تصدر بنحو 67 مليار دولار في السنة لكن متوسط دخل الفرد فيها لا يزيد على 400 دولار سنويا وعليها أكثر من 140 مليار دولار قروضا، أكثر من 88% من سكانها مسلمين وفيها الفساد كالرطوبة لا يمكن الفرار منه، ويسهل أن تكتشف هذا التناقض بمجرد أن تخرج من مطارها الدولي الفاخر الذي يحمل اسم محررها (سوكارنو)، فعشرات الأطفال يتسابقون على حمل الحقائب، والطريق الى وسط المدينة حيث فنادق الخمس نجوم وناطحات السحاب العملاقة يمر بأحياء فقيرة في عشش الصفيح. و(اندونيسيا) مجموعة من جزر يصل عددها الى 17508 جزيرة منها فقط حوالي 6000 جزيرة مأهولة بالسكان، أشهرها وأكبرها (جاوه) و(بالي) و(سولاويسي) و(سومطرة) و(كالمينتان) و(ايريان جايا)، والجزر الثلاث الأخيرة هي أكبر جزر في العالم، ويسهل وأنت في الطائرة أن ترى قبل الهبوط وفور الاقلاع عشرات من البقع الأرضية طافحة وطافية على بشرة المياه، والمياه أكبر من الأرض، فمساحة الدولة التي تصل الى حوالي 10 ملايين كيلو متر مربع لا تزيد مساحة اليابسة فيها على الخمس والباقي مياه اقليمية، حيث المحيط الهندي في الغرب والجنوب، والمحيط الهادي في الشرق، وبحر الصين في الشمال، ولأنها على خط الاستواء ومحاصرة بالمياه من كل جانب فإن الرطوبة لا حل لها، فهي تكتم على صدرك، وتهدد تنفسك، وتسد مسام جلدك، وتفقدك التمتع بجمال الطبيعة، فهناك دائما بخار ماء كثيف يحجب الرؤية. لكنها دولة لا تهددها المجاعات، فالغابات الاستوائية تقدم الأناناس والموز والشاي والكاكاو وزيت النخيل مجانا، والمياه الاقليمية العريضة تقدم الأسماك مجانا، وهي بالنسبة للأجانب أرخص دولة في العالم، بدولارات قليلة تأكل وتلبس وتركب تاكسي وتسهر، والسبب انهيار العملة وهي (الروبية)، وزيادة التضخم بجنون بعد الأزمة الآسيوية حتى انه وصل الى 76% في عام 1998، لذلك فأنت سلطان زمانك في (جاكارتا) بخمسين دولاراً في اليوم، وهو مبلغ لا يكفي لتناول طعام العشاء في فندق بالقاهرة. وقد أدت الأزمة الأسيوية الى انهيار معدل نمو الانتاج القومي ليصبح بالسالب بعد أن كان قبل الأزمة 15% وهو معدل لم تصل اليه دولة أخرى، ولا الصين الشعبية، وفي الوقت نفسه فتحت الأزمة الباب على مصرعه أمام صندوق النقد الدولي ليفرض شروطه، ويتحكم في كل شيء بما في ذلك شكل الحكم وطبيعة القوانين، وهو ماجعل الناس هنا يعودون للسباق المحموم للفوز بعقد عمل في الخارج ولو للخدمة في البيوت، وفي أي وقت تكون فيه في المطار ستجد في صالات السفر جماعات من الفتيات الصغيرات وقد جلسن على الأرض بملابس موحدة وغطاء رأس أبيض في انتظار (الترحيل) الى مصير لا يعلمه سوى الله. وفي المطاعم ستجد طابورا طويلا من الحسناوات يحملن أطباق الطعام وتضع كل منهن بعضا مماتحمل في طبقك الكبير العميق، فهذا هو الأكل على الطريقة الاندونيسية، سمك، أرز، بطاطس ، فاصوليا، أناناس، دجاج، لحم، وأشياء أخرى لن تعرفها، كلها على بعضها البعض، ولا يجمع بينها سوى الشطة، ولو تقبلت هذه الطريقة في تناول الطعام فلن تندم، فعلى الأقل ستشعر برائحة البخور تفوح من كل فتاة تضع ماتحمل من طعام في طبقك. وزادت الأزمة الاقتصادية من البطالة والرذيلة والبلطجة وأعمال العنف والتسول والقمار الشعبي وهو الرهان على مصارعة (الديوك)، وسباق الثيران التي يوضع في طعامها الشطة، إن مشهد فتاة تقف في عرض الطريق تحت المطر ليلا تحرض أصحاب السيارات على الرذيلة هو مشهد أصبح معتادا في شوارع (جاكارتا) بعد أن انهارت العملة ولم تعد تساوي الورق المطبوعة عليه، وفي الملاهي الليلية يكفي أن تتناول الفتاة طعامها حتى تصبح ملكا للزبون، وفي الفنادق الشهيرة تتوارى الرذيلة تحت اسم مهذب هو (التدليك)، إن ذلك كله جعل (اندونيسيا) المسلمة التي تعد رابع دولة في العالم من حيث عدد السكان بعد الصين والهند والولايات المتحدة والذي يبلغ عددهم 210 ملايين نسمة احدى دول حزام (الايدز) التي يوضع تحتها خط أحمر على خرائط منظمة الصحة العالمية. لكن، مايدفع الناس الى ذلك أيضا، أن الجنس هناك ليس محرما بالقانون، فليست هناك جريمة اسمها (الخيانة الزوجية)، ويندر أن تجد فتاة لا تحدثك عن صديقها، والحياة الاجتماعية في هذه البقعة الساخنة والحارة من العالم تحتمل أكثر من صديق، فالعلاقات الاستوائية هناك أكثر تأثيرا من التعاليم الدينية، وهو ماوجدته في دولة مسلمة أخرى هي الصومال، حيث تفخر المرأة هناك بأن لها علاقات مع أكبر عدد من الرجال في وقت واحد، وحيث يكون الأطفال مشاعا ينسبون للقبيلة. لكن تأثير الاسلام في السياسة أكبر في (اندونيسيا) من أي شئ أخر، فمن بين الأحزاب السياسية التي يصل عددها الى 48 حزبا هناك 12 حزبا اسلاميا وحزبان مسيحيان وأحزاب هندوسية وبوذية، على أن الكل يرفض أن تصبح البلاد دولة دينية، وأكبر الأحزاب التي تحمل الصفة الاسلامية هو حزب (نهضة الشعب) المنبثق عن جماعة (نهضة العلماء) البالغ عدد أعضائها 30 مليون عضو وزعيمها هو الرئيس الحالي (عبدالرحمن واحد)، والأكثر تشددا منها جماعة (المحمدية) التي أصبحت حزب (التفويض القومي) وتضم 28 مليون عضو، ويرأسها (أمين رياسي) رئيس البرلمان. وتستحق التجربة الديمقراطية في (أندونيسيا) التوقف طويلا عندها ، فهي دولة انتقلت فجأة وبحدة وبدون مقدمات من الديكتاتورية العسكرية الى الديمقراطية الشعبية، لم تعش مايسمى بفترة (الحضانة) أو المرحلة (الانتقالية)، إن ذلك جعلها هدفا لكل الدراسات والابحاث السياسة الغربية، وحتى الآن اجريت 500 دراسة أمريكية وأوروبية عنها ، وكلها تحمل علامات الدهشة من نجاح هذه التجربة رغم وجود 400 جنس عرقي و538 لغة ولهجة و15 حركة انفصالية تسعى الى أن تكرر ماجرى في اقليم (تيمور الشرقية)، بخلاف صعوبة سيطرة الحكومة المركزية في (جاوه) بسبب الجزر المتفرقة، والمياه الفاصلة، والأقاليم البعيدة المتناثرة وبخلاف شكاوى الولايات من فقدانها للسلطة المحلية وضعف موارد الخدمات فيها. كان من المستحيل تخيل وجود تجربة ديمقراطية هنا، خاصة في ظل حكم (سوهارتو) الذي بدأ حكمه في (أكتوبر) 1966 بالتخلص من (سوكارنو) الزعيم الوطني الذي جاء بالاستقلال في (اغسطس) 1945 وساندته المخابرات المركزية (الأمريكية) وباركت حمامات الدم التي فجرها عندما قتل مئات الآلاف من اليساريين، ووصل الى السلطة على جماجمهم. وقد بقى (سوهارتو) في السلطة رمزا للتوحش والقسوة والفساد حتى (مايو) 1998 بعد أن ارتكب مايسمى بالخطايا العشر، وأبرزها انه ترك الحبل على الغارب للقطاع الخاص ومنهم أولاده وأقاربه للاستدانة من الخارج حتى بلغت مديونيتهم 84 مليار دولار، وأطلق يد أولاده وأقاربه وأصدقائه في السيطرة على معظم مصادر الدخل القومي، فابنه الأصغر يحتكر تجارة (القرنفل) و(التبغ)، وابنه الأكبر يشارك في عدد من البنوك والمؤسسات الضخمة، وابنته الكبرى تسيطر على دخول الضرائب والرسوم المفروضة على الطرق وتمتلك عددا من الشركات التي تحتكر بناء الكباري والطرق الرئيسية، وكانت صديقة (بوب حسن) الذي كان يحتكر تجارة (الأخشاب)، ورغم انه كان مسنا وعاجزا عن ادارة شئون البلاد فقد رشح نفسه للرئاسة للمرة السابعة، وادخل في حكومته شخصيات متهمة في ذمتها المالية، وعندما خرج الطلبة في مظاهرات مضادة غاضبة تعامل معهم بالرصاص، ولذلك فإنه عندما سقط لم يجد أحدا يترحم عليه وعلى أيامه السوداء، وعاد الناس هنا يقرأون الفاتحة على ر وح (سوكارنو) ويخرجون صوره من قلوبهم ويعلقونها على جدران بيوتهم. وعندما جاء الرئيس (بحر الدين يوسف حبيبي) في المرحلة الانتقالية للسلطة (مايو 1998 أكتوبر 1999) نفذ أكبر برنامج للاصلاح السياسي بتغيير القوانين البالية التي حكمت البلاد لعقود طويلة وإجراء انتخابات برلمانية تقوم على حرية الاختيار والتعدد الحزبي وتخلص من سطوة الحكومة نهائيا على أجهزة الاعلام، فلم تعد هناك صحيفة أو محطة تليفزيونية أو وكالة انباء واحدة حكومية، وهو ماأفقد الرئيس الحالي (عبدالرحمن واحد) كل فرص الدفاع عن نفسه أمام منتقديه، ان الكل أصبح له الحق في التعبير عن رأيه إلا رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة، وفي الأزمة الاخيرة التي واجه فيها اتهامات البرلمان له بالفساد ومحاولات سحب الثقة منه شعر بضرورة وجود وكالة إعلامية حكومية تسانده فقرر وجودها مهما كان الثمن، ولعل حرية الاعلام على هذا النحو القوي هي التي اغرت الاستثمارات الأجنبية بالدخول فيها وربما السيطرة عليها، ولم يكن من السهل أن تترك هذه الاستثمارات الفرصة تفلت من يدها، فهي تعكس مصالح الشركات متعددة الجنسيات (أو المالتي ناشيونال) في السيطرة على مقدرات البلاد الاقتصادية والسياسية. ولعل من مصلحة هذه الشركات أيضا اغراق البلاد في مزيد من القروض لتظل بكل مافيها من خيرات وثروات تحت سيطرتها، ان هذه الشركات بكل أنيابها وأظافرها هي أخر طبعة من الاستعمار الجديد. وقاوم الجيش الاندونيسي تجربة التحول الديمقراطية، فقد قرر الرئيس (حبيبي) الخفض التدريجي للدور المزدوج الذي يلعبه الجيش في المجالات السياسية والاجتماعية والأمنية، ففصل الجيش لأول مرة عن الشرطة، وهو ما أزعج أعدادا كبيرة من الضباط كانت تعيش على (الإتاوات) التي كانت تفرض على الناس، واشتدت الرغبة في ترك الخدمة في الجيش والالتحاق بالشرطة، وتقلص العدد الذي كان يمثل الجيش في البرلمان الى أدنى حد، ويمكن إلغاؤه في عام 2004 . ورغم ان هناك اجماعاً في كل مؤسسات الاصلاح السياسي على محاربة الفساد فإن الفساد هو الفيروس الذي ينافس في انتشاره فيروس (الايدز)، لقد أصبح الفساد جزءاً من سلوكيات الناس وعاداتهم اليومية، وعلى رأس المصرين على الفساد الجمعيات الدينية، والهيئات الرسمية، إن دعوة رسمية للاحتفال بمئوية ميلاد (سوكارنو) في حفل القصر الجمهوري على طريقة ما يسمى بحفلات (الجالا) يصاحبها قائمة للتبرع بمبالغ مختلفة حسب أهمية المكان، ولا أحد يعرف أين تذهب هذه الأموال؟، انه الفساد على طريقة (ايفابيرون) التي جمعت من التبرعات الخيرية أكثر من 149 مليون دولار، وباسم الجمعيات الاسلامية يقوم عدد هائل من البشر بجمع التبرعات، وبعضها ينفق على مدارس دينية، وأغلبها يودع في البنوك السويسرية، والصحف الاندونيسية مشغولة هذه الأيام بهذه القضية التي تنشرها بالأسماء والمستندات، وعادة ماتنتقل هذه القضايا على الفور من الصحافة الى البرلمان، فلا أحد يقرأ ويسكت، لكن البرلمان مشغول هذه الأيام بقضية اكبر وأخطر، قضية التخلص من الرئيس (عبدالرحمن واحد) والتي تقودها نائبة الرئيس (ميجاواتي سوكارنو) التي تزوجت ذات يوم في الستينيات من دبلوماسي مصري لمدة أسبوعين ثم تركها وهاجر الى استراليا ليصبح رجل أعمال هناك فالرئيس في الحكم ونائبته في المعارضة والصراع بينهما على الهواء وفي البرلمان وفي المحافل الدولية، وهذه قضية أخرى تستحق الانتظار.