كان عندنا في الامارات مقريء قرآن من الامارات، نسمع صوته في الاعلام المسموع والمشاهد. اختفى لانه مات ـ يرحمه الله ـ كان ذلك منذ سنوات بعيدة، لم نعد نسمع بعده صوتاً مميزاً واضحاً ينتمي لهذا المجتمع. وكان عندنا خطيب أو اثنان أو خمسة نشاهد وجوههم على المنابر في المناسبات، هم انفسهم يتكررون، لم يتغيروا منذ زمن طويل، حتى هؤلاء غابوا، ما عدنا نراهم ونسمعهم في السنوات الاخيرة. وكل يوم جمعة تقام الخطبة في عشرات المساجد، ونادراً ما نشاهد خطيبا من الوطن، وكذلك حال المؤذنين والأئمة في مؤسسة دينية تضم أكثر من ثلاثة آلاف مسجد منتشرة في جميع نواحي البلد. نذهب الى الادباء والشعراء، لم يدخل الى القائمة فرد جديد يفرض ابداعه، يكون به متألقاً، مختلفاً، جديداً، جاذباً، أو يساوي الموجودين. لم نقرأ مشروع باحث ينبيء بمستقبل أفضل في هذا المجال، لا كتاب ملفتا ولا كاتب جديداً يقدم عملا مختلفا أو مكملا ينقص هذه الساحة الثقافية الفكرية، وما أكثر ما ينقصها في هذا الميدان، فمن سيكتب تاريخ هذه الارض، في عادات أهلها وتقاليدهم، فنونهم وثقافاتهم، علومهم ومعارفهم: في البحر والزراعة، في الطب والتداوي والتعامل مع الدواب، مع سير النجوم ورحلة التجارة، عن شكل البناء وفنون الغناء وما تحمله اهازيجهم واشعارهم من مفردات وقصص، أو رصد معالم تضاريس ومسميات مناطق البلد أو احكام ونظم مجتمع القبيلة.. من سيجمع تراثها، من سيهرول باحثاً منبشاً في ذاكرة الوطن التي تسكن ذاكرة الشواب الذين يتساقطون، وتسقط معهم بقايا الذاكرة، بقايا صوت وصورة الوطن القديم؟ كذلك في مجال المسرح واحتياجاته المتنوعة من المهارات أو الاعمال الفنية، حاله من حال بقية المؤسسات الثقافية، فقير الى العنصر الشاب الذي يمثل اضافة نوعية. في الاذاعة ايضا والتلفزيون والصحافة ـ وقد تكون هذه الاخيرة حالها افضل قليلاً ـ وفي الاندية والمؤسسات الثقافية وجمعيات النفع العام، لا تجد وجودا لهذا الضيف الجديد. صورة سوداوية يطغى عليها الجانب المظلم، لكنها واقعية. مجتمع شاب، فيه عشرات الجامعات والكليات في مختلف التخصصات والعلوم، تقدم هذه آلاف الخريجات والخريجين سنويا. وقبل الجامعة هناك المدارس والنشاط المدرسي المنوع، والمكثف طوال سنوات تعلم الطالب. وخارج المدرسة هناك الاندية وبرامجها الثقافية مع الرياضية وأدوار المكتبات العامة وفروعها في الاحياء، ومراكز الاطفال واكتشاف الموهوبين في بعض الامارات، وظهور العديد من المسابقات والجوائز السنوية المخصصة لابداعات الطفولة والشباب أو لحفظ القرآن. يقابل هذا وجود عشرات المؤسسات الثقافية في مختلف المجالات والهوايات، تنتظر من يشارك في فعالياتها، ويفعّل برامجها، تحتاج الى الدماء الجديدة تبث فيها الحياة والتجديد والنشاط. أين الاشكالية في حالة الشح والعزوف هذه؟ هل هو الجيل الجديد، لا يحمل هماً ثقافياً ولا يشغله العمل التطوعي، ولايفكر في المشاركة والعطاء والانتاج الابداعي؟ أم إنها الفرصة المفقودة: لا أحد يبحث عن هذا الدم الجديد، وإذا جاء لا يجد من يشجعه ويمنحه الفرصة. هل هي قبضة القائمين في هذه المؤسسات الثقافية، ورفضهم قبول الجديد والتخلي عن حيز من مكان ونشاط لهؤلاء؟ هل المشكلة في الاعلام الذي هو اكبر صانع ومشجع للنجوم والابداع في مختلف جوانب العمل الثقافي أو الفني أو الديني أو المجتمعي؟ هذا الاعلام الذي هو اعلام الامارات يجهل، أو لا يريد، أو لا يستطيع القيام بالتشجيع أو المساهمة في صناعة جيل جديد من أبناء الامارات يهتم ويسعى لخدمة العمل الثقافي والاجتماعي. من الصعوبة ان نلقي اللوم على طرف، الجميع شركاء. وعندما نفكر في المستقبل، علينا أن نبحث عنه في هذا الجيل الجديد، أين هو من هذا العمل الكبير والجليل والمهم في خدمة الوطن، الذي يحتاج أن نشكله ونؤثر فيه، نكتبه ونخاطبه ونصنعه؟ يكبر الوطن بأهله، لابد أن يفهم ذلك، إذا أردنا المستقبل.. أردنا الوطن. Shmitrif@Hotmail.com