إن صورة الجندي الاسرائيلي المتغطرس تغوص كنصل حاد في أعماقي، حين أتذكر صورته وهو يولول بين أيدينا أسيرا أثناء عمليات العبور في أكتوبر 1973، أشعر بنزيف يدمي كبرياء شيخوختي، أضم قبضتي في غضب، أتمنى لو استعدت فجأة شبابي، ذلك العمر الذي قضيته في جبهة القتال، وكان بحق أروع سنوات عمري بل وعمر جيلي كله من شباب مصر. ربما هو شعور يشاركني فيه من كان له مثلي شرف ممارسة القتال ضد الجيش الاسرائيلي، كلما شاهدت تلك الصور التلفزيونية المصبوغة بالدم للضحايا من أبناء الشعب الفلسطيني، وجنود دولة اسرائيل مدججون بأحدث أسلحة العصر في مواجهة الشعب الأعزل إلا من الحجارة. كيف تغيرت الصورة من جندي يولول بين أيدينا، الى جندي ينتهك الشرف العربي والاسلامي بكل هذه الصلافة والغرور؟، كيف تحول الشعب العربي فجأة الى جثة هامدة راقدة أمام شاشات التلفزيون ترقب في دعة وكسل تلك المذبحة المروعة التي تتواضع أمامها كل المذابح التاريخية الشهيرة؟.. وأتأمل صورة الطفلة (إيمان حجو)، راقدة في أمان وسلام رغم أنها قبل لحظات كانت ضحية قذف مروع أنهى عمرها قبل أن يبدأ، تماما مثل ذلك الطفل الآخر (محمد الدرة)، ومثل آلاف الأطفال الذي اغتالتهم يد الغدر الصهيونية.. وألتفت بخوف الى (ميسرة) الطفلة الطالعة كزهرة في زمن يقتل الزهور، أقول لها وأنا أشير الى شاشة التلفزيون: (لا تنسي وجه ذلك الرجل، إنه السفاح الشرير الذي يكره الأطفال، وأشرف على مذابح تاريخية للشعب العربي أبرزها مذابح الأسرى، ومذابح صبرا وشاتيلا) أقول لها: (لا تنسي ولا تسامحي، فالنسيان آفة تجعل تكرار أخطاء الماضي حتميا، والتسامح في هذا الزمن العولمي الجميل لم يعد يعني سوى الضعف والتخاذل). ومع ذلك ينبغي التنبه الى أن ما تفعله وسائل الاعلام العربية لا يمكن ادراجه إلا تحت عنوان (تعبئة المجتمع العربي للحرب)، ومن الصحيح أنها لا تفعل سوى النقل الأمين لما تقوم به وحدات من الجيش الاسرائيلي، وهو ما لا تمانع فيه الحكومة الاسرائيلية، فهي تتيح لكل كاميرا أن تنقل ما تشاء من المذابح والجرائم، فهل هي غفلة من تلك الحكومة؟ أو نوع من الغباء الاعلامي؟ خاصة وهي تملك وقد فعلت ذلك من قبل أن تحول دون وصول وسائل الاعلام باعتبار أن تلك المناطق مناطق عسكرية، ألا يمكن أن يكون ذلك مقصودا لذاته؟، ألا يمكن أن يكون هدف الحكومة الاسرائيلية هو تعبئة المنطقة لحرب عدوانية جديدة تستدرج اليها المنطقة، أو جزء من تلك المنطقة؟ أو يكون الهدف مثلا هو مجرد تكريس حالة العجز والرعب حيال التفوق الاسرائيلي؟.. ولاشك في أن الحكمة هي ألا تستدرج لمعركة يحدد خصمك توقيتها ومكانها وظروفها، ولكن تلك الحكمة تكون ناقصة إذا لم تستكمل من خلال الاستعداد لمعركة تبدو حتمية، ومن خلال عناصر أخرى للمقاومة لا تصل الى حد الحرب الشاملة، وتلك العناصر لا تقتصر على مجرد الاستخدام المادي للسلاح، وإنما يدخل فيها اكتشاف عناصر القوة، وتطويرها، واستخدامها وهي تشمل كل شئ اعتبارا من عناصر الاقتصاد الى رسائل الانترنت. فليس جديدا أن نقول ان المعركة ضد تل أبيب يجب أن يتم خوضها أولا في واشنطن، ولكن السؤال هو كيف يمكن أن نخوضها هناك وكيف نكسبها؟، اذا كانت هناك معارك أخرى لا تزال تنتظر الحسم بين بعض العواصم العربية، وحسابات لا تزال تحت التصفية، وبعضها للأسف الشديد حسابات مع تاريخ مضى وانقضى، بل ومع بعض من ماتوا؟. ومع ذلك فإن (واشنطن) و(تل أبيب) ليستا ساحتا المعارك الوحيدة، بل كل عواصم العالم بدون استثناء، وقد بدأ شباب مصر (بدون تكليف من أحد) في ممارسة ما أطلق عليه (حرب الانترنت) حيث يقومون بمراسلة الآلاف في مختلف دول العالم لشرح القضية الفلسطينية، وتوضيح شراسة الهجمة الصهيونية، ومدى تقديرنا للسلام القائم على العدل، وأظن أن الشباب العربي يمكنه إحراز تفوق كبير في هذه (الحرب)، إذا استطاع أن يجد في الكمبيوتر فائدة أخرى غير الألعاب والصور المخزية. وكما ذكرت، فإن الاعلام لابد وأن يحاذر في استخدام اسلوب التهييج والاثارة، لأنه يشبه تحميل تدريبي زائد لمباراة ليس هذا أوانها أو مكانها، فلابد من كشف خطة اليمين الاسرائيلي الجهنمية لاستدراج المنطقة أو جزء منها الى الحرب، ولابد أن يركز الاعلام على أهمية تفويت الفرصة على العدو هذه المرة، حتى ولو كان ذلك على حساب المزيد من كظم الغيظ، ومن دماء غالية تنزف من أبناء فلسطين، وإن كان ذلك لن يعفي الحكومات من الاستعداد لكافة الاحتمالات، وخاصة الاحتمال الذي يبدو حتميا في المستقبل، في توقيت ومكان نختاره نحن أو أبناؤنا. ومهما كانت ملاحظات البعض على التحركات السياسية، فإنها مطلوبة ولابد من مواصلتها بنفس القدر الذي تكون به الانتفاضة وعناصر المقاومة الأخرى مطلوبة، فلقد كان الفيتناميون يتفاوضون في باريس بينما يقاتلون في أحراش فيتنام، وهكذا فعل الجزائريون، وهكذا كان المصريون يتفاوضون مع الانجليز بينما الجماعات الفدائية تهاجم معسكرات القوات الانجليزية في القناة، فالتحرك السياسي والمقاومة وجهان لعملة واحدة هي شرف الكفاح من أجل الاستقلال، وكلاهما يعضد الآخر ويقويه، ولا يمكن تحت ظروف الاحتلال تصور انفصال أحدهما عن الآخر. وربما يكون المحظور الوحيد في التحرك السياسي هو القبول بأي شكل من الأشكال بتقنين الأوضاع الاغتصابية، فتحت أي ظرف من الظروف لا ينبغي التوقيع على اية وثيقة تعطي شرعية أو شبه شرعية للمستوطنات الاسرائيلية، كما لا ينبغي التنازل عن حق العودة، وأقول حق العودة وليس حق التعويض، وعدم التنازل عن الحق لا يعني بالضرورة عدم القبول بتنظيم الحصول على هذا الحق، كما لا يجوز أن يعني التحرك السياسي تقنين السيادة الاسرائيلية على القدس الشرقية أو القبول باية صيغ تنتهي بهذا التقنين، واذا كانت الحلول المرحلية مقبولة، فينبغي أن تكون كذلك (أي مرحلية)، ووصف (المرحلية) لا يمكن أن يعني (الأبدية)، وهكذا فإن تلك الحلول يجب أن ترتبط بجداول زمنية ملزمة وضوابط دولية حاكمة. إن طفلتي ميسرة تعرف أن جرائم الحرب لا تسقط بالتقادم، وهي مطمئنة الى أن مجرمي الحرب مهما طال الزمن سوف يمثلون أمام القضاء وينالون جزاءهم العادل، وهي تترجم الابتسامة الوديعة على وجه رفيقة جيلها (إيمان حجو) وهي تزف الى السماء، تترجم هذه الابتسامة بأنها ثقة واطمئنان بأن قاتليها لن يفلتوا من العقاب، وأنا أفهم مدى عمق الثقة في هذه الأجيال الطالعة، فهي أجيال لم تعرف نكبة ولا نكسة، وتفتحت عيونهم على الحياة في ظل (عبور منتصر) و(إرادة مقاومة منتصرة) و(انتفاضة) تلك أجيال لم تعرف الهزيمة، ولن تقبلها مرة أخرى في قواميسها، أجيال لن تعرف النفاق والغدر والتواكل، أجيال ترى الضوء في آخر النفق. نعم.. تؤلمني صورة الجندي الاسرائيلي المتغطرس وهو يقتل الانسان الفلسطيني الأعزل، ويغضبني اصطلاح (إيقاف العنف المتبادل) الذي يساوي بين صراخ الضحية وسكين الجلاد، وأشعر بعجز الموقف مع عجز الشيخوخة، ويقضمني اليأس الى منتهاه، لكنني أتذكر دائما بأن (صحن الانتقام يؤكل باردا)، وبأننا كي نعبر القناة في السادس من أكتوبر عشنا في الخنادق نأكل الحصى ونلتحف بالنابلم الاسرائيلي ونعارك اليأس لمدة ستة أعوام، أتذكر أن (الصليبيين) عاثوا فسادا في المنطقة نفسها لمدة زادت على مئتي عام، ولكن ولد (صلاح الدين) ولم يتنبهوا لميلاده كي يقتلوه ضمن باقي الأطفال طفلا، وربما تكون (ميسرة) أو أي طفل آخر هو قدرنا وقدرهم المنتظر، فارس يفلت من المذبحة كي يعيد أرض الحب والسلام الى الحب والسلام. وبطبيعة الحال فإن ذلك في الوقت الحالي وحده لا يقدم عزاء كبيرا لأولئك المحاصرين في قرى ومدن فلسطينية، ولا يشفي للقلب غليلا، ولا يقدم بديلا، ولكنه تذكار وعلامة إرشاد للآتين من رحم كل هذا العذاب، مجرد كلمات قد تجد فيها (ميسرة) ذات يوم المعنى الذي قاتلت من أجله وعشت على أشواكه، ولربما كان ذلك دافعا لها، أو تذكرة حتى لا تنسى أو تغفر، فهذه الكلمات أتركها لها ولجيلها كله، وأنا أشير الى تلك الصورة القبيحة وأعد لهم مستندات وأدلة الجرم العلني لتكون بين أياديهم وهم يتقدمون بها الى (المحكمة الجنائية الدولية)، لأنه وإن غفل ضمير العالم فترة، فإنه لابد وأن يصحو يوما، ولابد وأن يدفع الجناة ثمن جرائمهم.. وسيدفعون!! ـ كاتب مصري