في ذكرى حرب يونيو نعود بالذاكرة الى اكثر من ثلاثين عاما من الابعاد والقضايا التي تحكمت بمسار العرب الحديث. اذ لم تقع حرب تركت ابلغ الاثر على العرب كما حصل مع حرب 67، فقد فاجأت هذه الحرب العرب بنتائجها وسرعتها وشكلت تراجعا كبيرا لحركتهم القومية بقيادة الرئيس عبدالناصر، وكانت خسارة فادحة لبقية اراضي فلسطين بما فيها القدس الشرقية والجولان وسيناء هذا التراجع الكبير في الوضع العربي ترك ابلغ الاثر في جيل نما وترعرع في الستينيات، وترك ابلغ الاثر على حركة الادب والشعر وعلى حركة المقاومة والتعبير في العالم العربي. حرب 67 لم تكن حربا عادية، فبعد وقوعها انتقد مفكرون وكتاب عرب سلوكيات الدول العربية التي قادت للهزيمة، وانتقد آخرون الاتكالية وعدم الجدية في الشخصية العربية، وانتقد البعض الفساد والبيروقراطية في الاجهزة العربية. الانتقادات التي فتحت المجال لما اعتبر في حينه ظاهرة المقاومة الشعبية اعطت الانطباع بوجود تغير كبير ونقد جديد لما سبق، بل اعتبر الكثيرون بأن النقد هو انطلاقة تجدد الوضع العربي وتخرجه من سلوكيات الهزيمة وسلوكيات قلة التدبير وضعف الحيلة وقلة الاستعداد. ولكن ذكرى تلك الحرب لم تؤد للتغيرات المنشودة الا انها كحرب وكهزيمة تحكمت بالعرب الى ابعد الحدود، فهي التي تحكمت بنشوء المقاومة الفلسطينية بشكلها الذي عرفناه طوال السبعينيات وهي التي قادت لحروب عربية اسرائيلية جديدة، كما انها قادت الى كامب ديفيد والصلح العربي الاسرائيلي الاول، وهي التي قادت الى قبول مبدأ التعايش مع اسرائيل ثم مبدأ الارض مقابل السلام. لكن الاهم في هذه الحرب وفي الحروب التي جاءت من بعدها، بما في ذلك حروب صغيرة واخرى كبيرة، وبعضها لصالح العرب وبعضها لصالح اسرائيل ان العرب في محصلة اليوم تحولوا لمنظومة تفكر تفكيرا عسكريا دون ان يكونوا قادرين على النجاح في مجال الحرب الاوسع. ويمكن القول بأن حرب 67 ارتدت على الداخل العربي. فلقد اصبحت الغلبة في العالم العربي في التعامل مع تعد الاراء وفي التعامل مع المثقفين، والحريات والسياسة والصحافة والمجتمع والفرد للنزعة العسكرية. ربما كان لشعار ما بعد حرب 67 من ان السياسة تخرج من فوهة البندقية اكبر الاثر، بل نجد ان المنطق العسكري تحكم في علاقات العرب ببعضهم البعض وذلك على حساب السياسة مما ادى الى مزيد من الاضعاف لقدرات العرب في نهايات القرن. في الذكرى الجديدة لحرب 67 نجد ان العالم العربي على مفترق طرق تاريخي بين السلام والقتال وبين التطور والانغلاق. ان السؤال امام العرب: هل الاساس هو في دخول الحرب وخسارة معركة التقدم ام دخول معركة التقدم واستبعاد الحرب ام دخول الاثنين معا وبعض من هذا وبعض من ذاك؟ ان الفرصة بصنع سلام وإنهاء الاحتلال بما يضمن حقوق العرب وبما يجلب السلام بنفس الوقت يجب ان تكون امرا يبحث عنه العرب ويسعون اليه فكل عام يمر هو وقت سوف نخسره من امكانيات التهيؤ للقرن الجديد. في ذكرى حرب 67 وفي ذكرى اعلان العرب بأن هدفهم الرئيسي هو مسح اثار عدوان تلك الحرب نجد ان تحقق هذا الهدف ما زال يشغل الامة العربية ويستنزفها ونجد ان الامة لم تستطع حتى الآن ان تحقق الهدف الاهم من شعار رفعته قبل اكثر من ثلاثين عاما. ان ما يقع في فلسطين اليوم يجب ان يكون دافعا رئيسيا للعرب لانجاز مهمة تحرير الاراضي المحتلة. ولكن ذكرى حرب 67 يجب ان تكون وقتا نتذكر خلاله انتقادات المفكرين العرب في الشهور التي تلت هزيمة 67 اذ ركزت تلك الانتقادات على عدم الجدية والاتكالية والفساد والبيروقراطية التي ساهمت في الهزيمة وما زالت تساهم في عدم انجاز العرب للأهداف التي يسعون لتحقيقها. ـ استاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت