تعتبر «الديمقراطية اقل أنظمة الحكم سوءا» كما قال السياسي البريطاني الشهير ونستون تشرشل، وهذا الكلام يبدو صحيحا إلى ابعد الحدود، لأنها نظام يوفر رقابة شعبية على السلطة التنفيذية ويضعها تحت المجهر دائما، إلا أن مثل هذا الكلام ينطبق فقط على تلك الدول التي اتخذت من الديمقراطية نظاما سياسيا منذ سنوات طويلة، واعتادت شعوبها على استخدام الوسائل الرقابية الشعبية لضبط العمل السياسي بعيدا عن تدخل جماعات أخرى من المجتمع في هذا العمل الرقابي، حيث توجد السلطات الرئيسية في حالة فصل كامل يجعل كل منها سلطة حقيقية لا تخضع للأخرى بقدر ما تخضع إلى تأدية دورها المنوط بها في الدستور. لأن التجارب أثبتت أن هذه الديمقراطية سرعان ما تتحول إلى شئ آخر عندما يتم الأخذ بها نظاما سياسيا في بلاد لا تعرف هذا الفصل بين السلطات على الرغم من النص عليها دستوريا، بل يمكن لأي سلطة أو جماعة تملك الهيمنة في تلك البلاد أن تضع الدستور وبنوده جانبا لتنفذ ما تريد تحت شعارات ديمقراطية أيضا، بل أن أعمالها المنافية للديمقراطية تتخفى تحت شعارات «حماية الديمقراطية نفسها وتطبيق الدستور» (؟!). والعسكر هم أعدى أعداء الديمقراطية، لأنه في البلاد المتخلفة البعيدة عن تقاليد النظم الديمقراطية، تلعب الجيوش عادة دورا في الممارسة الواقعية لخرق الدساتير تحت شعارات ديمقراطية، ونجح بعضها في الانقلاب على السلطات المدنية «حماية للدستور» (!)، مع أن الدستور في أي بلد ديمقراطي يجعل للجيش دورا واحدا وهو «حماية حدود البلاد من أي غزو خارجي» ومع ذلك نجد أن جيوش الدول المتخلفة تستدير إلى الخلف أمام أي عدوان خارجي، وتتحصن بمباني البرلمان من هزائمها العسكرية لتلقي بالمسئولية على السياسيين. حدث هذا في العديد من دول العالم الثالث الذي اتخذ من الديمقراطية نظاما على سبيل التقليد للغرب المتقدم، دون أن يتخذ من الغرب مثالا لأشياء أخرى يمكن أن تستفيد منها البلاد للخروج من أزماتها الحضارية كالتقدم العلمي والتكنولوجي. وربما كان ما حدث في التشيلي والأرجنتين خلال السبعينيات من القرن الماضي، أو ما حدث ولا يزال يحدث في بلاد مثل تركيا حيث ينصب الجيش نفسه «حارسا» على الديمقراطية التي تختنق تحت ضرباته كلما لاح تهديد لامتيازاته أو لامتيازات من يسلحونه ويدربونه من الخارج. لكن ما حدث في البيرو في منتصف التسعينيات من القرن العشرين والأشهر الأولى من القرن الحادي والعشرين فاق كل الممارسات المعادية للديمقراطية تحت شعار حماية «الديمقراطية والدستور»، فقد احتال الجيش بتقديم «السياسي الهاوي» المهندس الزراعي «ألبيرتو فوجيموري» إلى الجماهير رافعا راية «حماية الديمقراطية من أعدائها من محترفي السياسة» ليصل إلى الحكم، ثم يخطط لانقلاب عسكري تحت شعار «حماية الديمقراطية والدستور» وليصبح الجيش رسميا- حارسا لربيبه رئيس البلاد المنتخب ويتلاعب بالحقوق المدنية للسكان مستخدما كافة الوسائل «غير المشروعة» لإرهاب من تسول له نفسه الإعلان عن معارضته لما يحدث. باسم الديمقراطية وتحت غطاء الرئيس المنتخب ديمقراطيا حكم المدعو «مونتيسينوس» مدير المخابرات العسكرية البلاد بالحديد والنار، مستخدما التعذيب والقتل والخطف والإعدامات السرية لإرهاب العامة من الناس، والرشوة والجنس والمخدرات والتصوير الخفي لإفساد السياسيين المعارضين، وإرهابهم ووضعهم تحت سيطرته، حتى أصبح البرلمان مجرد «عرائس» تتحرك آليا بأمر من مدير المخابرات العسكرية، وتحولت الممارسة السياسية إلى نوع من المغامرة بالحياة أو الكرامة. من يخضع للابتزاز والرشوة يفقد كرامته السياسية وبصبح رهينة العسكر، ومن يرفض يصبح رقما في عداد قتلى الحوادث العارضة، أو رقما بين أعداد المختفين بلا سبب، أو يتم تلفيق الاتهامات لهم وتقديمهم للمحاكمة أمام محاكم عسكرية بتهمة الإرهاب، وتحت شعار حماية الديمقر اطية والدستور أيضا. باسم الديمقراطية وتحت شعار حماية الدستور حكم مدير المخابرات البيرو متخفيا وراء الرئيس ألبيرتو فوجيموري الذي منحته الجماهير ثقتها للتخلص من السياسيين المحترفين الذين لم يجلبوا إلى البلاد إلا البطالة والخراب، أعلن أنه قضى على الإرهاب بالحزم، ثم تبين أنه كان يمارس القتل والإرهاب عملا بشعار «اضرب المربوط يخاف السائب». عشر سنوات من الحكم خلفت من ورائها طبقا للإحصائيات الرسمية- ما يزيد على خمسة وعشرين ألف قتيل، وستة آلاف من المختفين الذين لم يتركوا من خلفهم أثرا يدل عليهم سوى أن هناك يدا خفية تولت أمرهم، واكثر من نصف مليون هجروا قراهم ومدنهم خوفا من عقاب على جرائم لم يرتكبوها، وثلاثة آلاف من الأبرياء يرقدون في السجون عقابا على جرائم لا يعرفون عنها شيئا، وسبعة آلاف ينتظرون محاكمات على جرائم وهمية تصمهم بالإرهاب الذي هم ضحيته الأولى، وعدد مماثل صادر بحقهم أوامر بالقبض لمحاكمتهم، دون أن يعرفوا أو حتى يعرف القضاة الذين يحاكمونهم، الأدلة التي تستند إليها أوامر القبض والمحاكمة سوى أدلة ملفقة يؤكد رجال المخابرات العسكرية انهم حصلوا عليها من مقبوض عليهم ماتوا أثناء التحقيق معهم (؟!). في ظل هذا المناخ المعتم حكم الرئيس ألبيرتو فوجيموري البيرو خلال العقد الأخير من القرن العشرين وحتى مطلع القرن الحادي والعشرين، تم خلال تلك الفترة ممارسة كل أنواع الفساد والإفساد السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي، حتى الدستور الذي تمت باسمه تلك الموبقات تم خرقه لإعادة انتخاب الرئيس للمرة الثالثة على الرغم من أن النص الدستوري يحرم إعادة الانتخاب بشكل قاطع، ولم يتم اكتشاف كل هذه الجرائم إلا بعد الخلاف بين الحاكم في الظل «مدير المخابرات العسكرية والجيش» والحاكم العلني «ألبيرتو فوجيموري»، وانتهى الأمر بهروبهما كل في طريق، بعد أن تكشفت الحقائق المذهلة التي تركت البلاد في حالة من التمزق لا يصلح معها أي علاج. في ظل هذا المناخ تمكن أستاذ الاقتصاد السياسي ذو الأصول الهندية «أليخاندرو توليدو» من الفوز الأحد الماضي برئاسة البلاد بفارق خمس نقاط فقط عن منافسه الرئيس اليساري السابق «آلان جارثيا» الذي عاد للبلاد بعد منفى استمر طوال فترة حكم «العسكر وفوجيموري»، ليواجه هذا الإرث الضخم من الفساد والإفساد، لأن جميع السياسيين بلا استثناء لهم ملفات ملطخة بالمشاهد المقززة المخزية التي سجلها لهم مدير المخابرات خلال فترة مشاركة الرئيس البيرتو فوجيموري حكم البلاد. حتى الرئيس المنتخب نفسه أليخاندرو توليدو أصابه بعض من رذاذ مدير المخابرات السابق وان كان هذا الرذاذ يتعلق بحياته الشخصية أكثر من حياته السياسية أو ذمته المالية، وهو رذاذ لم يحاول الرئيس المنتخب الرد عليه بالاعتراف أو التكذيب، لأن أيا منهما كان يمكن أن يحول دون وصوله إلى كرسي السلطة، لكن يظل الرئيس الجديد متهما إلى أن يثبت عكس ذلك (؟). لذلك فان أول مهام الرئيس الجديد للبيرو إعادة بناء الثقة في النظام الديمقراطي الذي تتخذه البيرو وسيلة لحكمها، ومن هنا تبدأ العقبات، لإعادة الثقة في النظام لابد من إبعاد الجيش عن الحياة السياسية المدنية ووضعه في ثكناته على الحدود مع الدول المجاورة، وهي مهمة صعبة لأن «لجنة الحقيقة» التي وعد الرئيس بتشكيها بالاتفاق مع الأحزاب السياسية في البلاد ستطلب محاكمة العديد من القادة العسكريين الضالعين في عمليات النهب والسرقة والفساد والإفساد التي جرت خلال سنوات الحكم الماضية، وهو أمر لن يكون من السهل تحقيقه. أيضا سيجد الرئيس المنتخب أليخاندرو توليدو معارضة قوية من جانب أعضاء البرلمان لأن معظمهم له ملف «قذر» من عهد مدير المخابرات السابق، وسيطالبون بفتح ملف الرئيس قبل التعامل مع ملفاتهم. الأمر نفسه يتعلق بسلطات أخرى في البلاد كالسلطة القضائية التي سيناط بها تنفيذ ما تتوصل إليه «لجنة الحقيقة»، لأن معظم أعضاء السلطة القضائية متهمون بالفساد والإفساد الناتج عن فترة الحكم السابق، لأن السلطة القضائية كانت الأداة التي نفذ من خلالها مدير المخابرات والرئيس السابق القمع الذي تراوح ما بين إصدار أحكام بالسجن وحتى الإعدام بلا قرائن إثبات على آلاف الأبرياء. لذلك لن يجد الرئيس المنتخب أليخاندرو توليدو مفرا من اتباع خطوات غيره من رؤساء أمريكا اللاتينية بإصدار «عفو عام» على الجرائم السابقة تحت شعار «عفا الله عن ما سلف»، وحتى هذه الخطوة لن تكون ناجحة تماما خاصة أن التجارب المماثلة التي وقعت في العديد من دول أمريكا اللاتينية لا تعتبر مشجعة، فقانون «نقطة النهاية» الذي حاول به الرئيس الأرجنتيني السابق كارلوس منعم إسقاط جرائم القتل والخطف والتعذيب عن العسكر في بلاده كان سببا في الأزمة السياسية التي تعيشها الأرجنتين الآن. الأمر نفسه وقع في التشيلي، وكانت النتيجة أن الجنرال بينوتشيه الذي وضع قوانين وبنودا دستورية لحماية نفسه وغيره من مجرمي جيشه وجد نفسه محبوسا في قفص الاتهام لأكثر من عام في العاصمة البريطانية، وانتهى به الأمر إلى قبول محاكمته حتى يتمكن من العودة إلى بلاده. لذلك يرى المراقبون أن على الرئيس المنتخب في البيرو أن يركز في أيامه الأولى على الجانب الاقتصادي الذي تأثر أكثر من غيره من جوانب الحياة من جراء الفساد والإفساد اللذين أديا إلى هروب رؤوس الآمال الوطنية والأجنبية، واغرق البلاد في الديون والبطالة التي طالت أكثر من أربعين بالمئة من مجموع السكان، وأغرقت أكثر من نصف سكان البلاد في الفقر المدقع. ربما تساعد نهضة اقتصادية الشعب البيرواني على نسيان بعض ما عاشه خلال تلك السنوات السوداء، ويصبح أكثر قابلية لأي حل وسط يضمن عودة الثقة في السياسة والساسة، ونظام الحكم الديمقراطي. ـ كاتب مصري.