تقرير الأمم المتحدة الأخير عن الفساد في العالم يقول ان: «الفساد أصبح نظام حياة يومياً في دول العالم الثالث»، ويقول أيضا: «ان اكثر اشكال الفساد شيوعا هي الرشاوى والاختلاسات والتهرب من الضرائب والاستحقاقات الجمركية» ويقول بشكل واضح: «ان الموظفين الصغار والشركات الصغيرة هم ركائز الفساد، وان دول العالم الثالث تمتليء به، بينما يقتصر الأمر على نسب طفيفة جدا من هذا الفساد في أوروبا الغربية».. وسؤالنا.. لماذا؟ لماذا يرتشي ويختلس الناس والموظفون في العالم الثالث أكثر من دول أوروبا؟ ولماذا ينتشر الفساد في العالم الفقير والنامي؟ ومن الذي يصنع الفساد في حقيقة الأمر؟ من الذي يسهل اختلاس 30 مليار دولار من قيمة المساعدات الدولية للدول الافريقية الضعيفة والتي وجدت طريقها الى حسابات شخصية في بنوك أوروبا وأمريكا؟ ان صناع الفقر هم أنفسهم صناع الفساد، وحيث تكثر الثروات وتتزايد المساعدات الخارجية للدول الافريقية والنامية تزداد في الجانب الآخر طوابير الجوعى والمشردين وحاملي الأمتعة فوق الرؤوس باحثين عن ملاجيء ومآو تقدم أطعمة مجانية تسد الرمق، لكن في هذه البلاد لا يعني الأمر في الحقيقة عدم وجود أموال، لكنه يعني «طيران الاموال» واختلاسها، من هنا جاءت النكتة التي تقول: «في احدى الدول النامية قال السمين للنحيف: يجب ان تخجل من نفسك، فإذا رآك أحد الاجانب فسيعتقد بوجود مجاعة في بلدنا، رد النحيف قائلا: وإذا رآك انت بعدي مباشرة سيعرف سبب المجاعة!». والخلاصة في النكتة، ان هناك من يدفع باتجاه الرشاوى والاختلاسات وكل انواع الفساد، هناك من يقوم بها ويشجع عليها، والفقر وتدني الأجور والرواتب، وانعدام الرقابة المالية وحالات الغلاء والحصار والأزمات الاقتصادية والسياسية التي تضرب العالم الثالث والتي يتسبب فيها عمالقة واساطين الاقتصاد وغيرها كثير هي التي تصنع الفساد وتنميه. وكلما ازدهر الفساد في بلد أو بيئة دمرها وعجل نهايتها وحرمها كل فرص الارتقاء والنهوض والتحضر، ولذلك يربطون ربطاً واضحاً بين الانظمة الاوروبية الغربية وبين تضاؤل معدلات الفساد فيها، فحيث التعليم والمرتبات الكبيرة، والرقابة المجتمعية على الشأن والمال العام وحيث الاستقرار السياسي والقوة الاقتصادية والمؤسسات المحصنة بالقوانين والأنظمة، فإن فرص نمو الفساد تبدو ضئيلة جداً. ان أقل من 1% من الاوروبيين يواجهون طلب رشوة من أحد الموظفين بينما 21% من سكان امريكا الجنوبية يقعون في مصيدة الرشوة سنويا وكذلك 19% في افريقيا، و11% في اوروبا الشرقية وثلث سكان الارجنتين و15% في آسيا. ان الطمع وفساد الذمم وعدم الرقابة و«غض الطرف» عن الأخطاء حماية للبعض على طريقة «شيلني وأشيلك» هي ايضا اسباب للفساد في مجتمعات الغنى والوفرة، وما على ادارة مكافحة الفساد سوى ان تشد الهمة.