ما أحوج أمتنا اليوم الى زرقاء يمامة جديدة، تخترق بنور عينيها الحجب، وتستشرف الخطر المختبئ خلف الأسوار، وتحذرنا من جيش غادر قادم بخطى وئيدة، يتسلل في وضح النهار، يخادعنا بالسلم القاتل، وأسلحة دماره المخبوءة في قلب الخضرة وشعارات كاذبة عن أحلام الغد. على ألا يكون مصير زرقاء يمامة الألفية الثالثة تكراراً عبثياً لمصير الأولى، التي ظن بها قومها الظنون واعتبروا حديثها مساً من الجنون، ولم يصدقوها الا بعد فوات الأوان او «خراب بصرة» كما نقول في أقوالنا السائدة، وتيقنوا انهم سلموا مصائرهم ومصير بلادهم بالغفلة والركون الى المظاهر الخادعة، وان نكستهم او نكبتهم وقعت منذ لحظة استهزائهم برؤية زرقاء اليمامة التي عاينت الخطر قبل لحظة وقوعه، وحدثتهم حديث الواثق عن جيوش قادمة خلف الجبال تحمل أشجاراً تتحرك، وتخلط اللون الاخضر بالصفرة الجرداء القاتلة، فضحكوا منها، وما ان وقعت الواقعة، باحوا بسرها وهم يولولون على خيبتهم الكبرى، فما كان من العدو الا ان فقأ عيني زرقاء اليمامة، بحثاً عن سرها الخارق. لكن لماذا نتذكر زرقاء اليمامة الآن، في عصر الفضاء المكشوف، وأجهزة الرصد والتجسس بالأقمار الصناعية، ومراكز البحث والتحليل المخابراتي التي تتوقع «البلى قبل طلوعه»؟ أظن أن زرقاء اليمامة لم تفقد صلاحيتها، لأن ليس من رأى بالعين كمن سمع، والرؤية هنا، لا تقف عند حدود العيني والملموس، بل تتجاوزه الى ما وراءه، والأهم أن الرؤية البشرية من صاحب الهم او من ابن الوطن لن تجاريها في صدقها تقارير العسس سواء كانوا مستأجرين من العينة التي تبيع جلدها ولحمها من أجل الدولار، او ممن يلقى بهم بيننا، من عملاء أجانب، بأقنعة تمويه. واعترف أنني تذكرت، بل سكنني هاجس زرقاء اليمامة، عندما انتبهت الى مرور الذكرى الرابعة والثلاثين لنكسة 5 يونيو، دون ان اسمع للمرة الاولى نواح «ندابات» يونيو كما اسماهم المفكر العربي محمد عودة، هذا من جهة، كما تذكرت الشاعر الفارس النبيل الراحل أمل دنقل صاحب ديوان «البكاء بين يدي زرقاء اليمامة» الذي مثل لجيلي نبعاً عذباً نرتوي منه كلما أهلكنا الظمأ قبل وبعد انتصار اكتوبر العظيم وتحديداً في الأيام التي واكبت بدايات التطبيع مع اسرائيل. وظل أمل دنقل الذي تماهى في شخصيته آخر الشعراء الصعاليك، يمثل لكل مثقف عربي صوتاً عروبياً حتى نخاعه، في تمسكه بالمقاومة ورفضه الحاسم للمواءمات، وظل محتفظاً بتوازنه الداخلي وثباته وجرأته وهو يسير على خيط رفيع دون السقوط في بئر التهميش او الضياع في فضاء الواقعية المفترسة التي تطغى في السبعينيات على كل حديث. ولم يفقد أمل دنقل صدقه وثقته بنفسه رغم مرارات حياته، وحجبه حتى مماته في شرح شبابه عن المنابر والمؤسسات الرسمية، التي وضعت قصائده الوطنية ضمن دائرة الممنوع من النشر، بل طاولت شهرته وذاعت كلماته المكتوبة بمداد القلب المفتوح، وفضحت زيف شعراء المدح والمناسبات. ومن منا لا يذكر رائعة أمل دنقل «لا تصالح» التي تعتبر البيان الشعري رقم واحد والذي دشن رفض التطبيع مع العدو الصهيوني، وقدم رؤية مستقبلية لما حدث ويجري ونعاني منه الآن، عندما انفرط العقد العربي كحبات المسبحة امام مشروع السلام الامريكي الصهيوني. وهل يمكن ان ننسى أبيات بمثل هذا الصدق واتساع الرؤية: لا تصالح.. وان قلدوك الإمارة..