لا جدال في أن جامعة هارفارد أغنى جامعة في العالم من ناحية الأموال والودائع والسندات التي تمتلكها ومن ناحية المباني والمعامل والمنازل والمرافق التي هي بعض ممتلكاتها. وما أكثر ما يتكرر الحديث عن أن جامعة هارفارد هي أغنى جامعة على الاطلاق على ألسنة أساتذتها الذين تلمح نبرة الفخر واضحة في حديثهم عن جامعتهم التي يتباهون بها. والغنى المادي علامة في هذا السياق على الغنى العلمي، وعلى كثرة المتاحف، بل كثرة المكتبات بكل أنواعها، وأذكر أنني ذهبت مع بعض زملائي الى جامعة دارتموت في ولاية قريبة من ولاية فيرمونت. وكانت بعض مباني الجامعة التي نزورها متواضعة، فنظر الينا زميلنا الأمريكي لافتا انتباهنا بصلف أبناء هارفارد المعتاد، لا بأس لو احتملنا بعض الوقت، فنحن لسنا في هارفارد على أي حال. وعندما يحدثك العارفون بميزانية جامعة هارفارد وتفاصيلها، تندهش لأن هذه الميزانية أكبر من ميزانية بعض الحكومات التي تدعي الغنى والثراء، وتتعالى على غيرها من الحكومات الفقيرة. وبالطبع، يزداد ثراء هارفارد عاما بعد عام بسبب استثماراتها المالية العديدة الموزعة على أماكن لا حصر لها في الكرة الأرضية، ومن المفارقات الطريفة أن جامعة هارفارد رفضت سحب استثماراتها احتجاجا على السياسة العنصرية لحكومة جنوب افريقيا في ذلك الوقت. وكان ذلك ضمن سياق فرض فيه الطلاب الأمريكيون على جامعاتهم المختلفة سحب الاستثمارات المالية من جنوب افريقيا، احتجاجا على سياسة التفرقة العنصرية. ولم تأبه جامعة هارفارد بهذه الاحتجاجات، وظلت مبقية على استثماراتها في جنوب افريقيا لما تحققه لها هذه الاستثمارات من عوائد مالية ضخمة الى اليوم. ولكن الطريف أن جامعة هارفارد التي ظلت محافظة على موقفها المحافظ، كسرت نزعتها التقليدية المألوفة، ودعت نيلسون مانديلا اليها بعد سقوط حكومة بريتوريا العنصرية البيضاء. وكان نيلسون مانديلا ثالث شخص تمنحه هارفارد درجة الدكتوراه الفخرية (بعد جورج واشنطن، وتشرشل) وكان ذلك حدثا كبيرا جدا في ولايات انجلترا الجديدة، وداخل أمريكا نفسها، وعندما فعلت الجامعة ذلك لم تأبه أيضا باحتجاج المحتجين كما لم تأبه من قبل، حين كان الطلاب يطالبون بسحب أموال الاستثمار في جنوب افريقيا وقال البعض: إنها مفارقات هارفارد، بينما قال البعض الآخر انه الحرص على المكسب، ورفض سحب الاستثمارات في المرة الأولى كان بسبب العائد المالي الضخم، أما تكريم مانديلا في المرة الثانية فكان بسبب الحرص على استمرار هذا العائد المالي، فهذه هي النزعة البرجماتية الأمريكية التي اكتملت ملامحها الفلسفية في جامعة هارفارد نفسها. وقد ظهرت مفارقات جامعة هارفارد في الشهرين الماضيين، وذلك من خلال الطريقة التي تعاملت بها الجامعة مع العمال العاملين فيها. والطريف أن الجامعة التي لا تتردد في دفع ما يقرب من مئة ألف دولار سنويا لنفقات تهذيب النجيل الأخضر في ساحاتها والاعتناء به تتردد عشرات المرات في رفع أجور هؤلاء العمال الفقراء، ورغم أن الحد الأدنى للأجور، أو الحد الأدنى المعقول في الولايات المتحدة الأمريكية يقترب من عشرة دولارات في الساعة، فإن هؤلاء العمال يحصلون على ست دولارات في الساعة، الأمر الذي دفع الى السخط، وكشف عن بقاء أنواع من الظلم، لا يليق لها أن تبقى في هذه الجامعة العريقة التي هي أولى جامعات الولايات المتحدة من حيث النشأة. ويبدو أن الطلاب أدركوا معاناة هؤلاء العمال البؤساء فقرروا التظاهر من أجلهم وتضامنا معهم وبالفعل تجمع عدد من الطلاب والطالبات وأعدوا الشعارات اللازمة، وطبعوا المنشورات اللازمة التي قاموا بتوزيعها، وتوجهوا الى مقر رئيس الجامعة، وتصادف أن الجامعة قد اختارت رئيسا لها في ذلك الوقت، ويبدو أن الأمر لا يدخل في الصدفة، فالأدق أن أقول إن الطلبة استغلوا تعيين رئيس جديد للجامعة وقرروا التظاهر، وممارسة الضغوط التي يعرفونها عليه لعله يستجيب لهم، ويبدو أن رئيس الجامعة الجديد أدرك اللعبة فلم يستجب لمظاهرة الطلاب التي لم تلفت انتباه أحد. ولم يصب الاحباط الطلبة فتوجهوا الى الساحة الخضراء الكبرى في هارفارد، واسمها هارفارد يارد، واستقروا هناك، ونصبوا مجموعة من الخيام للنوم بعد أن قرروا البقاء في حالة تظاهر مستمرة الى أن ترضخ الجامعة لمطالبهم، ومع مضي الأيام، تزايد عدد الطالبات والطلاب الذين انضموا الى الاحتجاج، ومن ثم ازداد عدد الخيام الموجودة في الركن الواسع الذي احتله الطلاب من هارفارد يارد. وكنت أمر كل يوم على هذا التجمع الظريف، وألمح الشعارات واللافتات التي علقها الطلاب فوق الخيام، ووصلوا بالحبال بين الأشجار، وكان أول ما يلفت انتباهي لافتة كبيرة، أصبحت معتادا على مشاهدتها كل يوم، وأنا في طريقي للقاء تلامذتي، وهي لافتة مكتوب عليها عبارة أجور المعيشة (Living Wages) التي أصبحت أتوقع رؤيتها كلما مررت بهارفارد يارد. ولم يكتف الطلاب بذلك وإنما تعدوا ذلك الى احتلال مكتب رئيس الجامعة الذي ترك لهم مكتبه مع بعض حجرات المكاتب الادارية حوله. واستأجر الطلاب مجموعة من مكبرات الصوت، وصنعوا مجموعة من الحوامل الخشبية، وعلقوا عليها احصاءات بعدد العمال وجنسياتهم ونوعياتهم ومتوسطات أجورهم المتدنية وبعض القصص عن حياتهم المأساوية. ونشط طلاب الدراسة الاجتماعية بين المتظاهرين لتقديم دراسات اجتماعية جنبا الى جنب طلاب الدراسات النفسية، وتحولت التظاهرة الى احتفالية كبيرة دائمة، يتبارى فيها الخطباء، ويقرأ فيها الطلاب ما تكتبه الصحف عنهم، وما انتهوا اليه من دراسات، ويتوقف العابرون الى هارفارد يارد، يستمعون الى ما يقال، أو يشاهدون ألوان الخيام التي كثر عددها وأصبحت محاطة باللافتات والشعارات. وتأخذ الحماسة بعض الطالبات فيقررن الانضمام الى المتظاهرين، أو يقرر بعض الطلاب المشاهدين الانخراط في النشاط الطلابي، ولا يتردد بعض الأساتذة في إظهار تعاطفهم، خصوصا أن الامتحانات أصبحت على الأبواب، ويقبلون تأجيل تقديم البحوث من الطلاب والطالبات المناضلات. وكل ذلك والشرطة تقف لحراسة الطلاب وليس لعقابهم، وتتزايد أعدادها لحماية المنشآت وحماية حرية الطالبات والطلاب في التعبير عن رأيهم، فحق حرية التعبير دستوري، والقانون يسمح بالتظاهر، وليس هناك مشكلة عند أحد، بل يقبل رجال الشرطة دخول بعض المثقفين من خارج الجامعة لقراءة أشعار أو مقالات أو قصص، أنا شخصيا توقفت مدة حوالي ساعتين، أتابع شاعرا عجوزا من الدرجة الثالثة ، يلقي قصائد حماسية عن الحرية والعدل. ولم يكن وقوفي إعجابا بالشعر بل اندماجا في الموقف، واستمتاعا بمشاهدة ردود الأفعال المختلفة. ونجح الطلبة هذه المرة في لفت الانتباه بعد أن صبروا وتزايد عددهم، وأخذت الجرائد الأمريكية تكتب عنهم بدأت جرائد ولايات نيو إنجلند التي منها ولاية ماساشوستس التي تقع جامعة هارفارد فيها. وانتقل الأمر الى الجرائد الكبرى مثل النيورك تايمز وغيرها. وأخذ الطلاب ينسخون هذه المقالات ويعلقونها في كل مكان. ولم يمنعهم اقتراب الامتحانات من الاستمرار في التظاهر، الى أن تحرج الوضع ونجح الضغط واستجاب رئيس الجامعة وتقرر تشكيل لجنة ثلاثية تضم ممثلين عن الجامعة وممثلين عن الطلاب، وممثلين عن العمال الذين لم يشترك واحد منهم في هذه التظاهرة الطويلة، وأوكلت الجامعة للجنة دراسة حالة أجور العاملين وأبدت الاستعداد لرفعها، وأعلنت قبول توصياتها شريطة أن يفض الطلاب مظاهراتهم وينصرفوا الى امتحاناتهم، وكانت ليلة لم ينم فيها الطلاب والطالبات في هارفارد يارد، رقصوا وغنوا حتى الصباح محتفلين بنجاح عملهم من أجل تحقيق شيء من العدل الاجتماعي للعمال الفقراء الذين هم مهاجرون في الأغلب الأعم، وتذكرنا نحن العواجيز أيام الستينيات ومظاهرات الطلاب في فرنسا، والدور التحرري الذي يقوم به الطلاب، والذي يبدو أنه لم ينته بعد. ولم أر أحدا من العمال أو العاملات يحتفل، فقد ظلوا ينتظرون نتيجة تقرير اللجنة وتوصياتهم، حالمين بأن يرتفع أجرهم من ستة دولارات في الساعة الى عشرة دولارات وربع كما طالب الطلاب، أما السيدة التي تأتي الى منزلي لمدة ساعتين من كل أسبوع للتنظيف، وهي أمريكية عجوز من مدينة صغيرة قريبة من كيمبردج، فلم تعجبها النتيجة. وقالت: وهل تكفي عشرة دولارات في الساعة؟ هذا ليس بعدل، ونظرت اليها باسما فاهما سر سخطها، فقد اشترطت علي، عندما طلبت منها المساعدة، أن يكون أجرها ثمانية عشر دولاراً في الساعة لا تنقص. وقبلت ما طلبت نتيجة معرفتي بالارتفاع المتزايد في مستوى المعيشة، مبررا ذلك لنفسي بأنني لا أعيش في القاهرة، وأدفع في ايجار الشقة الصغيرة التي أسكنها، وهي ذات غرفة واحدة، حوالي ألفي دولار، تذهب الى جامعة هارفارد التي تملك المبنى الذي أسكن فيه، وتقوم بتأجيره تحقيقا لبعض أوجه الكسب المادي التي لا نهاية لها في السياق المليء بمفارقات أغنى جامعة في العالم.