شهدت دمشق أياماً غنية للثقافة الجزائرية ابتداء من 27 ـ 31 مايو 2001 وامتد عناق الاوراس وقاسيون فيها الى حلب وحمص واللاذقية وعاد مضمخا بعبق التاريخ وروح الشعب الصامد ونفس الاخاء الطيب ليستقر في دمشق يعلي همة عالية، ويستغرق في الهم متطلعا الى الخلاص بأمل وهمة عرفت في ابناء الامة عندما تقهرها الاحداث والازمات وكان خطاب الشعر والنثر، الموسيقى والغناء، الرقص الشعبي والاداء الفني، حاملاً هم الامة، متطلعا الى وقفة العز في جنوب لبنان التي تقدم درساً وحافزاً، والى بطولات الشعب العربي الفلسطيني التي ترتب مسئوليات وتشرع في الافق املاً وتنادي بعمل يليق بالامة والقضية التي تخوض غمار صراعها منذ قرن من الزمن، وكان الخطاب مشدودا الى صحوة عربية ـ اسلامية تعيد الحق الى نصابه، وتمنح الاطفال الأمن والسعادة وفرصة التعلم والتكون، وللامة المنهكة والمنتهكة شيء من الحضور البهي بين الأمم. وما كنت لأتوقف عند هذا النوع من الهم والاهتمام هم الفعاليات الثقافية والاهتمام بها، في هذا الزمن العربي الملطخ بالدم والعار، المتوج بالرعب، المتراخي جدائل سود على وجوه فاحمة، احالتها الايام الى كتل من الكدمات والأورام يضيع فيها البصر وتحار فيها البصيرة، لولا المعاني الكبيرة التي انطوى عليها اللقاء في توقيته ومكانه وغاياته والدلالات التي يحملها والضرورات التي تستدعي منا التوقف عنده والتأمل العميق من خلاله. استهداف اللغة والهوية في الجزائر، منذ سنوات موت يسعى على قدمين ويتلطى في الحواري والحارات والمزارع ويتصيد الجزائر قبل ان يصطاد ابناءها، وفي الجزائر فتنة تغذى بأشكال مختلفة، وكلام وفعل يستهدف اللغة والهوية والاصالة والانتماء والعقيدة التي جمعت الجزائريين على قلب واحد وحررت الجزائر من الاستعمار الفرنسي واعلت فيها: الله اكبر. وفي الجزائر «كهانة» ورطانة من نوع جديد تريدان ان تعيدا حروبا بائدة وعداوات تجاوزها الزمن وحررنا منها الاسلام، لينتشر جراء اعادتها جذعة حريق فيما تبقى لنا من الاصول والقيم، وغزو واختراق ثقافيان استعماريان قاومتهما الامة عقوداً من الزمن، ودفعت الجزائر بالذات دماً غزيراً عزيزاً لتحقق نصرا في صراعها ضدهما. وفي الجزائر وعي بأبعاد المخطط الذي يستهدفها ويستهدف دورها في قضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني واستعادة الامة لموقعها ومكانتها، وفيها وعي اعمق بما يشكله استهدافها الثقافي على الخصوص من استهداف للمغرب العربي على العموم، فالجزائر واسطة عقد، وقوة فتية وطاقة كبيرة لامكانيات اكبر. واذا كانت الثقافة، حامل الهوية والوعي والاصالة سوف تخلي الساحة للفتنة والاعداء او تنشغل بجراحها وما ينصب لها من احابيل فإن ذلك سيسهل على اصحاب المخططات تنفيذ مخططاتهم من جهة وسيجعل الامة كلها، وليس الجزائر وحدها تنشغل فيما لا ينبغي ان تنشغل فيه من امور لتوفر جهدها وجهادها لمقاومة العدو الصهيوني ـ النازي والمخططات الاستعمارية المعادية. الذاكرة التاريخية من هنا كان تركيز الثقافة على دورها وتواصل المثقفين والمبدعين الجزائريين مع اشقاء لهم في الشام على جبهة مواجهة قريبة مع عدو الامة «الكيان» الصهيوني وزيارتهم لجنوب لبنان، وتداخل ادائهم الحامل لهم الامة، الممثل لبعض مواقع تركز نضالها المعاصر: فلسطين ـ سوريا ـ الجزائر، وامتشاقهم لسيف الامير عبدالقادر الجزائري، وآلام عميروش وابن مهيدي وجميلة، ورفعهم لراية محمد الدرة، وجنود حزب الله وسوريا المتمسكة بالقدس قبل الجولان وبحيفا قبل طبرية وتناغم ذلك الاداء في شعر سوريين وجزائريين وفلسطينيين التقى على تلك الاهداف والمواقع وصهيل الذاكرة التاريخية التي تعلن اخوة العرب مع كل من اخى بينهم الاسلام، على ارضية، لا فضل لعربي على اعجمي إلا بالتقوى، وعلى ارضية مسئولية الجميع عن ديار الاسلام، ولغة القرآن وقيم الثقافة التي جعلت من الحضارة العربية ـ الاسلامية منهلاً ثرياً للمعرفة والعلم والادب والفن والذوق الرفيع في العالم لقرون من الزمن اثرت فيما تلاها من قرون، اقول: من هنا كان تركيز الثقافة على دورها، ورغبتها في استعادة حضورها وتأثيرها ومسئولياتها القومية مستدعيا تواصلا في ساحات مؤثرة وتشكيلها لجبهة قادرة على حماية مشروعها واستعادة الوعي بأهمية ذلك المشروع وبما ينتظرها من مشكلات ومعاناة، ان هي سارت في طريق تحقيقه لان المشروع النقيض للاستعمار والصهيونية والخضوع للاحتلال والقهر والتخلف ومدخل ذلك التماسك الاجتماعي الوطني والقومي وعدم السماح باختراقه واضعافه. في تونس حدثني احدهم عن كلام كثير حول عودة «حرب الكاهنة» التي صمدت في وجه العرب سبعين سنة وكأنه كان يرميني بوميض شعلة من نار قادمة على هذه الديار، يرهص بها من يريدون اغراق الامة بفكر يمزقها وبوقائع تعيدها شيعاً متناحرة متحاربة تفقد ما تبقى لها من هيبة وارض وهوية وحقوق. وذكرته او استذكرت معه بأن العرب لم يحاربوا الكاهنة في المغرب قبل اربعة عشر قرناً من الزمن، ولم ينتصروا عليها ولم تنتصر عليهم ولا مجال لحرب من هذا النوع او تفكير من هذا النوع اليوم، ولا ينبغي ان يكون شيء من ذلك، بعد ان انهزم العرب والكاهنة معا امام روح الاسلام ورسالته وقيمه التي حملتها قلوب مؤمنة بالله، الى اصقاع الارض، ولم تحملها نزوعاً تعصبياً معها، وحاربت اهلها والاقربين اليها من قومها قبل ان تحارب الغير في سبيل نشر دين الله ومقاومة الشرك والوثنية، فلم يكن قتال المسلمين الاوائل لقريش حرباً بين اقوام متباعدة او قوميات متناحرة، ولم يكن قتال النبي صلى الله عليه وسلم لبعض اعمامه واقاربه في اطار قومي او عصبية او عصاب من اي نوع، بل كان في سبيل الله والدين والحق والحرية والعدل. لم ينتصر العرب على الكاهنة ولم تنهزم الكاهنة امام العرب، بل انتصر الاسلام على كل من العرب والكاهنة، وانتصر بسيوف العرب وابناء الكاهنة وسواهم على كل من عاداه وحاول قتله او تشويهه، وعلى اولئك الذين صنعوا مجد الاسلام وحضارته ان يعيدوا اليوم قراءة التاريخ بوعي ومسئولية ليدركوا اية نار يشعلون ان هم اشعلوا نار الفتنة تحت اية ذريعة من الذرائع وفي اي مكان من ديار الاسلام، وضد لغة القرآن وقيم العقيدة السمحة، فهم انما يشعلون في انفسهم جميعا، ناراً يحتطب لها ويرش البترول عليها اعداء الامة، وأعداء الاسلام واعداء وطن العرب ولغة العرب: الوطن الذي غدت رموزه: مكة المكرمة والمدينة المنورة والقدس بما تحمل جميعاً من دلالات عميقة وشاملة ومؤثرة وموحية، وطن الرسالة المحمدية ولغة القرآن الكريم. استذكرت ما كان يمكن ان يكون حديثاً فاقعاًَ مع صديق تونسي، وانا استمع الى ابن رابح درباسة يغني «نجمة قطبية» في صالة الشام بدمشق ومرت على ذاكرتي دلالات الشعر والنثر والموسيقى والغناء والرقص الشعبي والازياء الشعبية والآلات والادوات الموسيقية التي يحملها العازفون العرب المسلمون من الجزائر او الشام او المغرب الاقصى او العراق: والعود والناي والقانون.. الخ.. وصاحت نفسي في الاعماق: الى اين نمضي ونحن نفترس ما كان لنا وما تبقى لنا مما يكون بعض معالم حضارتنا وشخصيتنا بين الامم والحضارات وعلى وقع موشح اندلسي، بلحن شامي، وغناء حلبي، يتداخل بعفوية مع النغمة الشعبية الجزائرية، استيقظ ناي الشعر ليدلف دمعة بعد دمعة من جديد، وينز جرحه ألماً وثورة واحتجاجاً ونقمة، وليذكر بالثورة الجزائرية و«اشهدوا» الجولان المحتل والجنوب المنتصر والقدس الحزينة والانتفاضة المباركة، والطفلة الفلسطينية ابنة الاربعة اشهر التي فتكت بها الصهيونية النازية بوحشية اعتيادية فيها، ولم تمنحها فرصة العيش لترى اغصان الزيتون وأوراق الليمون، وزهر الحنون، وياسمين الشام الذي يغتسل مع الريحان في نبع يتحدر من جبل الشيخ ليصنع الاردن وطبرية. سألت نفسي حزنا على نفسي، وردني الجهاد النوعي الي، وقلت ان امة فيها هذه الرموز الجهادية والقيم السماوية والثقافة المنتمية بوعي لتاريخها وحاضرها، لابد ان تنتصر وتكتب اسم الامة على جباه النجوم والقرون من جديد. حييت بحرارة ثقافة ترفض الهزيمة وترفض العدو وحلفاءه وعملاءه وترفض ان تدفن رأسها في الرمل لكي تجنب عيونها رؤية الحريق وموضع المهانة والوان الاهانة التي تبرقع ثوب الامة بألف لون ليس من الوانها الاصيلة. الوفاق المتين واقبلت على جبهة ثقافية ـ كانت املي ومازالت ـ تشكل رافعة وعي قومي: ترفض الاستعمار وتقاومه وترفض الاحتلال وتقاومه وترفض الفرقة وتقاومها وترفض الظلم والقهر والفساد والافساد وتتعلق بالنقاء والحرية والمساواة.. جبهة تصنع، بوعيها وادائها وانتمائها، جسراً تعبر عليه الامة الى التحرير والحرية والنهضة توحد الصف على هدف واضح ورؤية استشرافية منقذة، وتقيم الوفاق المتين الذي يجعل كل روح وبيت وساعد في هذا الوطن قوة في خدمة الامة المهددة من داخلها ومن خارجها، ولا سبيل لاخراجها من محنها وامتحاناتها الصعبة إلا بأيدي ابنائها وبطاقات خلاقة يوظفها اولئك الابناء على ارضية العلم والايمان والعمل بهما معاً. فالجبهة الثقافة العربية المنتمية، المسئولة، الرافضة للعدو وللتطبيع، كل شكل من اشكال الاعتراف والتطبيع معه، للجبهة التي ترفض المطبعين وتحاصرهم وتعريهم وتنقي صفوفها منهم، وترفض الفتنة والهزيمة والفرقة.. لهذه الجبهة.. الامل كل التحية والتقدير.. لانها تزيد اشرعة الامل المبحرة في فضاء عربي جديد وتعمل بمسئولية على التغيير من دون تبعية مريضة او جمود قتال. ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب