من الأقوال المأثورة في الأسفار عن السيد المسيح عليه السلام عبارته الشهيرة التي أوردها الأستاذ خالد محمد خالد الكاتب المصري الشهير (في كتابه بعنوان معا على الطريق محمد والمسيح) مخاطبا كهنة الهيكل من قوم يهود الذين عاصروا دعوة المسيح الى السماحة والمحبة وقد وجه نبي الله هذه العبارة الى الكهنة قائلا في استنكار غاضب: يا أولاد الافاعي حولتم بيت الرب الى بيت صرافة. والمعنى بداهة أن المسيح عليه السلام ينعى على هؤلاء الأحبار الكهنة والفريسيين من اليهود أن تركوا عبادة الله عز وجل وتحولوا بأنفسهم وبأتباعهم الى عبادة المال سواء كان مجسدا في العجل الذهبي الذي جاء ذكره في الكتب المنزلة أو جاء مرموزا اليه باسم (مامون) وهو التجسيد العبراني لشيطان المال والجشع واكتناز الثروات بغير عدل أو وازع من خلق أو ضمير. فتش عن المال لا عجب أن يكون المال والنفع الاقتصادي هو المحرك الأول للسياسات الاسرائيلية المتبعة داخل المشروع الاستيطاني الصهيوني في أرضنا العربية. ولا عجب أيضا أن تقصر العوامل والأبعاد الاستراتيجية أو التاريخية أو حتى الأخلاقية المعنوية عن تفسير التقلصات والأزمات والتقلصات والتشنجات المأساوية التي باتت تؤثر على العلاقات الراهنة بين الاحتلال الاسرائيلي والشعب العربي الفلسطيني في الأرض المحتلة. إن القوة الكامنة وراء أزمة تلك العلاقات لا تعدو من المنظور الاسرائيلي أن تكون شيئا واحدا وهو العامل الاقتصادي. ليس هذا الكلام من عندنا ولا هو اجتهاد ذهبنا اليه من وجهة نظرنا العربية القومية. إنه على بلاطة كما يقولون ملخص للرأي الذي يدلي به كاتب اسرائيلي بارز هو (ألوف بن) المراسل الدبلوماسي لصحيفة هاآرتس الاسرائيلية الواسعة النفوذ. (ألوف بن) نشر مقالا مهما في أحدث الاعداد الصادرة من مجلة (فورين بوليسي) الأمريكية (عدد يونيه 2001) ولخص فيه من وجهة نظره ملابسات الأزمات المتلاحقة التي واجهتها ما يسمى بـ (عملية السلام) في الشرق الأوسط وجاء التلخيص في عبارة ذات دلالة شديدة الوضوح صدر بها المقال وتقول بالحرف الواحد: - ليس لدى اسرائيل أي حافز اقتصادي يدفعها (أو يشجعها على) ابرام سلام دائم مع الفلسطينيين. المكسب والخسارة والمعنى هو أن اسرائيل تقيس المسألة أساسا بالعائد المادي الذي تجنيه (أو لا تجنيه) من وراء أي اتفاق مع الجانب العربي الفلسطيني يحمل عنوان سيادة السلام أو التنازلات الاقليمية أو الاستقرار أو التصالح مع المحيط العربي الذي زرعوها مثل خنجر مسموم في قلبه. كل هذا محكوم بحسابات المكسب والخسارة المادية بعيدا عن أي شعارات يمكن ان ترفعها ادارة اسرائيلية ما من حزب العمل الى ائتلافات الليكود.. وهي شعارات قد تطرح مثل العملة الزائفة أو العملة بغير غطاء في أسواق الدعاية الدولية ولكنها في نهاية المطاف تخضع للرقم والاحصائية على طريقة اليهود التي ظلوا يتبعونها على مدار التاريخ. والنظرة التحليلية الى هيكل الاقتصاد الاسرائيلي تفيد بايجاز بديهي كما قد نراه بأن بنية هذا الاقتصاد يحكمها واقع سوقه ذات الحجم الضيق أو النطاق المحدود، فضلا عن حركة هذا الاقتصاد طيلة عقود مضت من السنين وسط بيئة عربية معادية (سقى الله أيام المقاطعة العربية للعدو الصهيوني) ومن ثم فقد كان مقضيا على الاقتصاد الصهيوني أن يظل موجها نحو التصدير الى الأسواق الخارجية وخاصة في مجالات بعينها جهد اليهود في التفوق من مضمارها وفي مقدمتها صادرات المنتوجات الزراعية وأنواع الماس المصنعة أو التامة التجهيز. تبرعات يهود الدياسبورا من ناحية أخرى ظل هذا الاقتصاد الاسرائيلي في حال من الاعتماد على التغذية من روافد خارجية تأتيه بالطبع من خارج الحدود وكان في مقدمتها كما هو معروف التسهيلات الائتمانية والمعونات والتبرعات الهبات الواردة من يهود الشتات (الدياسبورا) في أنحاء شتى من العالم. ظل الحال على هذا المنوال طيلة 30 سنة تقريبا وحين حل عقد الثمانينيات كانت اسرائيل كما يقول الكاتب (ألوف بن) قد بلغت المنتهى ولم يعد بامكانها أن تفيد من تلك المصادر الخارجية لا من حيث الائتمانات الميسرة ولا من حيث تبرعات يهود المنفى.. وكانت النتيجة كما يضيف الكاتب الاسرائيلي اصابة اقتصاد المشروع الصهيوني في العقد الثمانيني بتقلصات زاد من وطأتها من ناحية صواريخ سكود العراقية التي سددت الى اسرائيل فضلا عن اندلاع الانتفاضة الفلسطينية الأولى من ناحية أخرى. الاقتصاد محرك المفاوضات هذا هو الذي دفع اسرائيل الى مائدة المفاوضات في رأي الكاتب الاسرائيلي ولم يكن الهدف الاعتراف السخي أو الشحيح بحق الفلسطينيين في الأرض أو الدولة أو تقرير المصير بقدر ما كان الهدف هو تجميل صورة اسرائيل ككيان ينصاع الى دواعي الاستقرار ويصغي الى صوت السلام. وقد أمكن ترجمة هذا الوضع الى عوائد اقتصادية جنتها اسرائيل وجاءت كما تذكر (فورين بوليسي) على شكل علاقات اقتصادية ومالية ربطت بعد مؤتمر مدريد 1991 بين اسرائيل وبين عمالقة اقتصاديين في بلدان آسيوية بالدرجة الأولى كان في مقدمتها كل من الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية. وعندما لعب اسحق رابين دوره في المصافحة التاريخية الشهيرة مع عرفات في حديقة البيت الأبيض عام 1993 تلقى الاقتصاد الصهيوني مكافأته على شكل علاقات اقتصادية أوسع وأرفع مستوى بين اسرائيل وبين تركيا والاتحاد الأوروبي. وهكذا أدارت ادارة رابين دولاب عملية السلام وكان الأمر غريبا الى درجة التناقض المثير:.. الجانب العربي تلقى مكافآت المصافحة الشهيرة على شكل افراح وليال ملاح وتهان مزجاة الى السيد عرفات بأنه في طريقه الى أن يصبح صاحب فخامة وحاملا لألقاب الرئاسة.. و.. دمتم.. حكاية الشرق أوسطية .. الجانب الاسرائيلي تضيف فورين بوليسي - تلقى بارتياح تاريخي طبعا أنباء انتهاء المقاطعة العربية(!) وزيادة الائتمانات المقدمة الى تل أبيب التي ساهمت في تحقيق الاستقرار الاقليمي وبدأ مفكرها المنظر بيريس يبشر بالتعاون الشرق أوسطي بل ويترجم هذا التبشير عمليا على شكل مؤتمرات اقتصادية حضرتها أطراف عربية (سوف يحاسبها التاريخ يوما على ذلك كما قد نتصور) في عواصم شتى ما بين المشرق والمغرب وكان أن أبرمت اسرائيل مجموعات من الاتفاقات التجارية الجديدة مع الاتحاد الأوروبي ومع كندا والمكسيك وتركيا ودول شرقي أوروبا (بعد زوال الاتحاد السوفييتي). يومها، لم تكذب اسرائيل خبرا، ولا عمدت الى وضع هذه التسهيلات الطائلة وهذه التدفقات السخية من رأس المال الأجنبي المباشر في خدمة منتجعات السياحة وأسواق السوبر ماركت وسلع الاستهلاك الكمالية المثيرة للاستفزاز.. لقد تم توظيفها لخدمة تطوير قطاعات صناعات التكنولوجيا الرفيعة (هاي تك) وفي مقدمتها برمجيات الحواسيب الالكترونية.. دون أن تنسى طبعا انتاج سيارات يابانية أو انتاج المزيد من مطاعم الوجبات السريعة (فاست فود) على الطريقة الأمريكية بطبيعة الحال. ـ ماذا كانت النتيجة على الجانبين؟ ـ في الجانب العربي.. ظلت التجارة البينية بين الدول العربية في حدود نسبة الثلاثة في المائة الشديدة التعاسة. في الجانب الاسرائيلي تقول الدراسة التي نحيل اليها زاد المعدل السنوي لتجارة اسرائيل مع دول آسيا على مدار عقد التسعينيات من 3 مليارات دولار عام 1990 الى 8.2 مليارات دولار عام 1999 فيما تضاعفت تجارتها مع كل من الهند (صديقتنا سابقا في حركة عدم الانحياز) وتركيا (رفيقة المقاعد ليس إلا في منظمات العالم الاسلامي الكلية الاحترام) بمعدل 6 أضعاف بالتمام والكمال.. للأسف الشديد أسفنا نحن بطبيعة الحال. من مدريد الى أوسلو في هذا السياق يعلق الكاتب (ألوف بن) قائلا: عندما مدت تل أبيب يدها الى الفلسطينيين (من مدريد الى أوسلو الى مصافحة البيت الأبيض.. الخ) تحولت اسرائيل من دولة منبوذة الى عضو مندمج بالتكامل في اطار الاقتصاد العالمي. يضيف الكاتب الاسرائيلي مستدركا. صحيح أن هذه الانجازات التي حققها اقتصاد اسرائيل أمدتها بزاد جديد من الثقة في النفس ودللت للاسرائيليين على مزايا الانفتاح والتصالح مع الأطراف الأخرى، إلا أن هذه الانجازات الاقتصادية، وليست غيرها جاءت (ويا للمفارقة!) لكي تدلل للاسرائيليين على أن ليس هناك من داع بعد ذلك يحفزهم على المضي قدما في عملية السلام. * ولقد نعلق من جانبنا على هذا الرأي فنقول اننا نكاد نلمح في ثنايا هذه الظواهر بعدا يمكن أن نطلق عليه الوصف التالي: جدل السلام. يعني أن التهيؤ الصهيوني للسلام الذي فهمه العرب موضوعيا بأنه الأرض مقابل الأمن، والتنازلات الاقليمية مقابل التعايش جاء لاسرائيل بثمار ناضجة وعديدة.. وهذه الثمرات في الوقت نفسه قطفتها اسرائيل فلم يعد لديها حوافز حقيقية وملحة حتى تدفعها الى مواصلة طريق الأرض مقابل السلام.. وفي هذا نحيل من جديد الى المراسل الدبلوماسي لصحيفة هاآرتس الذي يقول في صراحة تحليلية مباشرة: كان من شأن اسرائيل التي تذوقت ثمار الازدهار الاقتصادي (بفضل بدء عملية السلام) ورفع شعاراته (الأقواس مضافة من عند كاتب السطور) والتي نعمت أيضا بازالة قدر كبير من عزلتها التي كانت تعانيها أن لا تصادف سوى القدر اليسير من عوامل الضغط نحو تحقيق طموحات الفلسطينيين (في ازالة الاحتلال وتقرير المصير واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة).. وما دامت عملية السلام مستمرة (يقصد من الناحية الشكلية أو الرسمية أو الاجرائية) دون أن يصار للتوصل الى تسوية نهائية، يظل بوسع اسرائيل والحديث لا يزال للكاتب في هاآرتس أن تحظى بالميزتين في آن واحد: مزايا اقتصادية وعدم تقديم أي تنازلات اقليمية. باعوا السلام للعالم وكان منطقيا في ظل هذا الوضع الغريب أن يرفع قادة اسرائيل لافتات السلام يبيعون بها شعاراتهم ودعاياتهم للرأي العام العالمي فيما يضنون على الفلسطينيين بأي تنازلات في الأرض أو على الأرض وفيما يمعنون كذلك في توسيع وتدعيم المستعمرات الصهيونية بالضفة الغربية مع إحكام القبضة اليهودية على مقاليد مدينة القدس. ومرة أخرى يقول الكاتب (ألوف بن) بصراحة: كان هذا هو السبيل الذي ظلت تسلكه على طول الخط حكومات اسرائيل المتعاقبة يستوي في ذلك حكومات الجناح اليميني أو الجناح اليساري وكانوا في ذلك يطبقون مقولة اسحق رابين الشهيرة وهي بالحرف كما يلي: ليس هناك أي مواعيد زمنية مقدسة.. ومن واقع هذه الظروف يستخلص كاتب هاآرتس نتائج أثبتها الواقع العملي على النحو التالي: * لم يحدث قط أن نفذت اسرائيل عمليات انسحابها من أي أرض فلسطينية طبقا للمواعيد الزمنية المتفق عليها (في المواثيق والاتفاقات الموقعة بين الطرفين). كل رئيس وزراء جديد يأتي الى الحكم يشرع في اجراء عملية (اعادة تقييم) لالتزامات من سبقه في رئاسة الوزراء وكانت هذه العملية تؤدي بالحتم الى المزيد من التأخيرات أو التسويفات، دع عنك التنصل من الالتزامات المتعهد بها بذرائع شتى طبعا كان في مقدمتها دعاوى الارهاب أو العنف أو الدعاية المعادية وما الى ذلك. خداع باراك ولقد جاء إيهود باراك بعد نتانياهو.. وكم هللوا للقادم الجديد ووضعوا في يده شيئا يشبه غصن زيتون (أغلب الظن أنه كان مصنوعا من البلاستيك) ويومها وعد باراك أنه سوف يتوصل للسلام الشامل مع الفلسطينيين في مدى 15 شهرا وكم راهنت على باراك أوساط دولية أمريكية بالذات ناهيك عن أوساط اليعاربة الحسني النية أو المفرطي السذاجة سيان.. ومع ذلك فها هو كاتب هاآرتس يصرح علنا بأن باراك كان أكثر قادة اسرائيل تقتيرا وشحا من حيث ما قدمه للفلسطينيين بل ان بناء المستوطنات والتوسع فيها ظل متواصلا في حقبته دون توقف أو هوادة. يبقى السؤال المطروح هو: لقد تصور البعض ومنهم الرئيس الأمريكي السابق كلينتون أن الطرفين كان يمكن أن يقتربا من حيث التفاهم المفضي الى التعايش والسلام الشامل في المنطقة.. ولكن أفلحت البروباجندا الصهيونية في تصوير الطرف الفلسطيني (عرفات) بمظهر التعنت في حين أن الطرف الصهيوني في راي الكاتب الاسرائيلي لم يكن متحمسا إن لم يكن راغبا في تقديم أرض مقابل سلام.. فما تفسير هذا الموقف.. إن الكاتب (ألوف بن) في مقالة (الفورين بوليسي) يبدأ اجابة هذا السؤال بعبارة مفتاحية يقول فيها: فتش عن العامل الاقتصادي عامل المكسب والخسارة.. وهو ما يهم اسرائيل أولا وأخيرا. ومن أجل مزيد من تفصيل وتوضيح نحيل القارئ الكريم الى الجزء الأخير من هذا الحديث. كاتب سياسي من مصر