«الأولى»: أنت أيها القاعد في غرفة المعيشة المطلة على حديقة منزلك الصغيرة الخضراء تلهو مع اطفالك وتحادث أمَّهم. وتنعم بأجواء منزلك المكيف، أمامك كل ما طاب ولذ من الطعام والشراب ألا ترى هذا المزارع الغريب الذي غربته الاسفار عن وطنه فجاءك من أقاصي الدنيا يطلب الرزق يعمل عندك مزارعاً بالاجرة لعلها لاتزيد على عشرين درهماً في اليوم يسقي لك الحديقة الصغيرة يغرس لك اشجاراً تكون ملاذا للعصافير حتى إذا اصبحت سمعت تغريد الطيور وحفيف الاشجار وخرير الماء من حولك، يا ترى من هو هذا العامل المسكين أليس هو بشراً من بني آدم له شعور واحساس فلماذا قسوت عليه بالامس فنهرته وزجرته وكدت تلطمه على وجهه؟ لانه بلل سيارتك الفارهة الحديثة الواقفة بقرب حديقة منزلك لعلّه كان يفكر في اولاده الذين تركهم في ذلك البلد البعيد في موطنه الذي غادره، لعله يفكر في أمه المريضة التي تركها بلا علاج، لعله كان يفكر في زوجته التي تركها تتكفف الناس بلا عائل، لعله يفكر في هذا الراتب الصغير وذلك الاجر الحقير الذي يجمعه من عنايته بالجمال في حديقتك الصغيرة يهديه اليك فتقسو عليه وتنهره وتزجره لانه صَبّ على سيارتك رزاز ماء، ان من لا يرحم الناس لا يرُحم. ضع نفسك مكانه بل عد بالذاكرة قليلا الى الوراء، اين كنت، بل ماذا كنت؟ ماذا كان اباؤك وأجدادك؟ الكريم فيهم كان يُذهب يومه في البحر إما صياد سمك بسيط يعود آخر النهار بلقمته ودريهمات لاتكاد تكفيه حاجاته واهله، واما غواص يقضي ايامه الطوال في مهنة عذابها اشد من الشدة نفسها يسومه النوخذا سوء المعاملة فإذا انتهى موسم الغوص عاد وديونه التي سبقت موسم الغوص عن النوخذا اكبر من ان يسدها أجره الضئيل بعد موسم الغوص القاسي وإما ان يكون أبوك بدوياً تسومه شمس الصحراء العذاب في الصيف والبراري بردها القارص في الشتاء معيشة قاسية وشقاء طويل حتى اذا انقضت مهنة الغوص وتفجر البترول في بعض بلاد الخليج سافر ابوك الى احدى تلك البلاد فعمل فيها حمالاً يحمل على رأسه وظهره ما لا يحمله هذا العامل المزارع في بيتك أو لعله عمل نجاراً أو بناء أو صباغاً فلا تغتر أيها المنعَّمُ في حياتك وتذكر ان الدنيا أيام، يوم لك ويوم عليك، وأن النعمة لا تدوم إلا لمن شكر ورحم الخلق ورق للضعفاء وتسامح واعطى وعفا وصفح، فإن الكلمة الطيبة على قلة العطاء تجعل لك في قلوب الضعفاء قدراً وحبا لا يجنيه الطغاة ولا يجدونه ولو بذلوا أموال الدنيا وان الرحمة لا تورث الا الرحمة والعطف لا يخلف إلاّ العطف فكن رحيما عطوفاً ولا تغتر بما أوتيت من غير حول منك ولا قوة. «الثانية» رأيت عاملاً هندياً يدين بديانته الهندوسية يقف امام رب عمله الهندي ولكنه مسلم عطوف رحيم يقف أمامه بذلة ومسكنة يكاد أن يبكي لا خوفا ولا استعطافا ولكنه يقف شاكرا ممتنا على معروف رب عمله، المحسن الذي لم يتردد أبداً في أن يسمح له بالسفر إلى بلده للعلاج على نفقته لانه يعاني من مرض بسيط في فمه. ولقد عجبت من ذلك العامل الهندوسي وهو يهوي على قدم رب عمله يريد أن يلمس التراب امام قدميه كعادة الهندوس اذا اعترفوا لاحد بالفضل ورب العمل المسلم يمنعه عن فعل ذلك ويستهجنه لانه ما فعل صنيعته الجميلة معه تلك ليذله ولكن ليرحمه ومن ثم يكسب فيه أجراً وكيف لا فإن البعض يظن أن المحسن لغير المسلمين لا أجر له والحقيقة أن أمر الثواب على الاحسان للخالق وليس للمخلوق وقد ادخل الخالق عز وجل امرأة سيئة السمعة من بني اسرائيل الجنة لانها سقت كلبا عطشان فإذا كان الخالق يُدخل الجنة في كلب فكيف بالاحسان إلى الانسان الذي هو أكرم على الخالق من الكلب. ولقد جاء في الاثر عن الرسول الكريم عليه افضل الصلاة والتسليم ما معناه «في كل كبدٍ رطبةٍ صدقة»، فيالنعمة الاسلام التي نحن فيها رغم عذابات بعضنا من المسلمين الذي يشكون الفقر والفاقة فينظرون فإذا بعض اهل الكفر في نعمة طائلة وخير عميم فيوسوس لهم الشيطان ويدخل على المسلمين من هذا المدخل مشككا في العدالة الالهية جل الخالق عن ذلك وعلا. والامر في حقيقته ليس كذلك ولا يقاس بذلك فقد جاء في الاثر عن الحسن البصري، انه كان يحدث تلاميذه بقوله «ان الدنيا جنة الكافر سجن المؤمن» فاعترضه حداد نصراني في الطريق وقال أية جنة أنا فيها وأنا على ما تراني من حالة الفقر ومن المسلمين من هم اغنى منّي وأحسن حالا فقال له الحسن البصري لو علمت ما أخر الله لك من العذاب في الآخرة لعلمت أنك في هذه الدنيا في جنة ولو علم المسلم المؤمن الغني المنعم ما اعد الله له في الآخرة من النعيم لعلم انه في سجن، فالحمد لله على نعمه. salzomr@hotmail.com