لو ان لظاهرة العولمة خصما واحدا بحجم عالمي متعاظم يجب أن يحسب له حساب فهو الإسلام. ولو ان هناك قدوة عالمية خالدة يمكن أن تتهدد انتشار العولمة باقتداء مئات الملايين من مختلف البشر بها وبرسالتها فهي تتمثل في محمد صلى الله عليه وسلم. ولذا فان «خندق محمد» عليه الصلاة والسلام هو الظاهرة العالمية المتنامية التي يخشاها ملوك العولمة اليوم وغدا مطلقين عليها مصطلح «الأصولية» ـ ذلك المصطلح الذي صار من السيرورة الاعلامية العالمية المشبوهة بحيث اعتنقه رجال ونساء من المفترض انهم مسلمون. ولكن، أولا، ما هي العولمة؟ مثل كثير من المصطلحات العامة المتداولة عالميا فان لفظ «العولمة» ترجمة حرفية لمصطلح عربي رأسمالي هو بالانجليزية Globa Lisation والكلمة اشتقاق حديث من الأصل وهو كلمة Globe.. أي «الكوكب».. وبالطبع فان المقصود هو كوكب الأرض. ولذا فان بعض فقهاء الاقتصاد العرب يفضلون لفظ «الكوكبة» على لفظ «العولمة» (المشتق بدوره من كلمة «العالم»). هذا هو الوجه اللغوي الشكلي لظاهرة «العولمة» لكن المضمون المقصود غير المعلن هو ببساطة: الاستعمار الاقتصادي الرأسمالي للعالم. وبهذا المعنى فان العولمة ليست شيئا جديدا. فالتوسع الرأسمالي الغربي منذ الثورة الصناعية في أوائل القرن التاسع عشر من أجل غزو أسواق جديدة خارج الحدود اما لتصدير فوائض الانتاج السلعي الصناعي أو لوضع اليد على مصادر جديدة للمواد الخام فضحه كارل ماركس خلال النصف الأخير من القرن في مؤلفه المرجعي «رأس المال». وإذا كان هناك من جديد الآن في هذا العصر فان الرأسمالية المعاصرة معززة بفتوح تكنولوجية متتابعة لمضاعفة معدلات الانتاج الصناعي في القطاعات كافة لا تكتفي بمجرد التمدد في أسواق العالم بل تريدها أن تكون «متحررة» من أي حواجز، خاصة الحواجز الجمركية مما يطلق عليه «تحرير التجارة العالمية». وبذا يكون العالم كله سوقا ضخمة واحدة تخضع لوضع احتكاري بحجم عالمي لملوك الشركات الرأسمالية العملاقة التي يطلق عليها «متعددة الجنسية». ومع الاستعمار الاقتصادي ذي الطابع العالمي يكون الاستعمار الثقافي القائم على مرتكز الثقافة الاستهلاكية المادية نتيجة حتمية. وهكذا يتيسر لقوى الرأسمالية الغربية حكم العالم إلى الأبد. من الواضح إذن ظاهرة استعمارية عالمية كهذه لا يمكن أن يناوئها بتكافؤ إلا قوة ايديولوجية ذات قابلية للانتشار والتجدد عالميا وذات نظام ثابت للقيم يتحدى التقادم الزمني ويخرق الحدود الجغرافية وينتظم كل شئون المصير البشري بما في ذلك الشأن الاقتصادي وشأن الحكم وشأن العقيدة وشأن الأخلاقيات. وهذا بالضبط ما يمثله الإسلام وأمة الإسلام المنتشرة في كل قارات الدنيا من تحدٍ خطير لظاهرة العولمة. في الماضي القريب كانت الماركسية ـ اللينينية تستأثر بهذا الدور «يا عمال العالم اتحدوا». وبتحول الترسيم التنظيري إلى كيانات دولة نجح «المعسكر الاشتراكي» في مجابهة المد الرأسمالي لأكثر من سبعين عاما. لكن مشكلة النظام الاشتراكي الماركسي هي انه لم يكن ينطوي على منظومة للقيم الأخلاقية العليا أو على عقيدة روحية فانحصر في اطار المادة. أما الآن فان أعظم ما تخشاه العولمة الرأسمالية هو ذلك المد الإسلامي المتصاعد الذي اخترق الحواجز الجغرافية من آسيا وافريقيا لينتقل إلى داخل مجتمعات أوروبا والولايات المتحدة ويتنامى بايقاعات سريعة هناك. ان «خندق محمد» عليه الصلاة والسلام هو ظاهرة المستقبل لمنازلة العولمة.