توضح الأرقام والحقائق التي ذكرناها في مقالنا السابق زيف الخرافات التي يروج لها الصهاينة حول هزيمتهم (لسبعة جيوش عربية). وحول التفوق النوعي لقواتهم على (الكم) العربي الضخم. وقد أوضحنا ـ استنادا إلى التقارير الغربية والدولية ـ أن القوات الصهيونية كانت تتمتع بتفوق عددي ساحق على القوات العربية، فضلا عن التفوق في التسليح والتدريب والتنظيم. والواقع أنه لم تكن هناك (جيوش) عربية ولا يحزنون.. وإنما قوات قليلة، أقل عددا وتسليحا وتنظيما وتدريبا بكثير جدا مما كانت تقتضيه ضرورات المواجهة الجدية للعدوان الصهيوني. كما جاءت هذه القوات متأخرة كثيرا جدا ومتثاقلة كثيرا.. وبعد فوات الأوان عمليا. وكان بوسع الدول العربية أن تحشد قوات أكبر بكثير، وأن ترسل الأسلحة والمتطوعين إلى فلسطين على نطاق أوسع، وفي وقت مبكر أكثر بكثير. فلماذا لم يحدث ذلك ؟ وأين كان العرب؟ الأمر المؤسف أنه ليس الأنظمة العربية وحدها، وإنما الحركات الوطنية العربية أيضا، لم تكن متنبهة بصورة كافية للخطر الهائل الذي يمثله المشروع الصهيوني على المنطقة بأسرها.وكانت الحركات الوطنية العربية مشغولة بخوض معارك بلدانها ضد الاحتلال الأجنبي. بينما كانت الأنظمة غارقة في مساومات عقيمة لتخفيف وطأة الاحتلال وتعظيم نصيبها من السلطة، مع الحرص على قمع الحركة الوطنية والاجتماعية. وكان إدراك الروابط القومية بين الشعوب العربية، والمصالح المترابطة عضويا فيما بينها، ضعيفا للغاية، ويكفي أن نشير إلى العبارة المأثورة عن سعد زغلول، زعيم ثورة 1919 في مصر كبرى البلدان العربية،والتي يقول فيها: ( إن الدول العربية مجموعة أصفار)! وكانت المنظمات والجمعيات الصهيونية تنشط دون عوائق في عدد من البلدان العربية، وتجمع التبرعات من يهود تلك البلدان للمشروع الصهيوني في فلسطين! وتصدر الصحف التي تدعو إلى دعمه ! ومما له دلالة مؤسفة للغاية مثلا أن خطوة شديدة الخطورة كإنشاء (الجامعة العبرية) في فلسطين لقيت ترحيبا من بعض الشخصيات العربية! وحضر افتتاحها عام 1925 شخصيات عربية يكفي أن نذكر من بينها أحمد لطفي السيد أحد رواد التنوير في مصر المعروف باسم (استاذ الجيل ) وكان أيضا رئيسا لحزب الأحرار الدستوريين، ذلك الحزب الذي تولى الحكم في مصر أكثر من مرة. كما كان رئيسا للجامعة المصرية. ضعف الوعي القومي لقد كان ذلك كله ممكنا في ظل جنينية الوعي القومي العربي، وعدم إدراك الترابط العضوي بين مصالح الشعوب العربية في مواجهة أعدائها المشتركين، وفي مقدمتهم الاستعمار العالمي والصهيونية، وتأخر كثيرا إدراك الحركات الوطنية في البلدان العربية المحيطة بفلسطين لخطورة المشروع الصهيوني كامتداد للاستعمار العالمي في المنطقة، وأداة للدفاع عن مصالح الدول الاستعمارية الكبرى في الشرق الأوسط بأهميته الاستراتيجية الفائقة وثرواته البترولية الهائلة التي كان قد بدأ اكتشافها في ذلك الوقت، بل إن هذه الحركات كانت تنظر لقضية الاستقلال الوطني باعتبارها قضية طرد قوات الاحتلال أساسا وكانت ضعيفة الإدراك للجوانب المتصلة بالإستقلال الاقتصادي والتنمية ومكانها المركزي في قضية الاستقلال الوطني. واللافت للنظر مثلا أن بعض الحركات والقوى الوطنية العربية أخذت تنظر للنفوذ الأمريكي المتنامي في المنطقة بعد الحرب العالمية الثانية، من زاوية أحادية، باعتباره منافسا للامبراطوريتين الإنجليزية والفرنسية وبالتالي كعنصر دعم للقوى الوطنية والتحررية العربية، ولم تدرك تلك القوى والحركات الوطنية العربية خطورة الأطماع الأمريكية في المنطقة. كما أنها لم تدرك خطورة التغلغل الصهيوني في الولايات المتحدة، ودوره في توجيه سياساتها تجاه المنطقة. وكان البعض يمد يد الصداقة نحو أمريكا، وينظر إليها بعين الأمل، بينما تمارس واشنطن ضغوطا على بريطانيا لفتح باب الهجرة اليهودية إلى فلسطين على مصراعيه. وبينما كانت أمريكا تمارس أعنف الضغوط في الأمم المتحدة لانتزاع قرار تقسيم فلسطين، وبحيث يعطي القرار الجزء الأكبر والأكثر خصوبة وأهمية استراتيجية من فلسطين لليهود. وهل هناك دلالة على حقيقة الموقف الأمريكي أكثر من أن الولايات المتحدة اعترفت بإسرائيل بعد إحدى عشرة دقيقة من إعلان قيامها ؟! ولو أن الحركات الوطنية العربية أدركت كل ما نتحدث عنه بصورة واضحة وفي الوقت المناسب لكان تعاملها مع القضية الفلسطينية قد اختلف، ولكانت قد مارست ضغوطا ملموسة على حكومات بلادها لمواجهة المشروع الصهيوني وحلفائه بقوة أكبر، وبدرجة معقولة من الحزم. وكان من شأن ذلك أن يحقق نتائج مهمة في أواخر الثلاثينيات، وحتى نهاية الحرب العالمية الثانية (1945)، حينما كانت الدول الغربية الكبرى في مسيس الحاجة للدعم العربي في مواجهتها مع دول المحور (ألمانيا النازية- وإيطاليا واليابان ). وكان يمكن استثمار هذا الوضع لتحقيق مكاسب عربية، أو على أقل تقدير تقليص الخسائر بأكبر درجة ممكنة، فيما يتصل بالقضية الفلسطينية، بما يساعد على حصر نطاق المأساة، وجعل إمكانية مواجهتها في المستقبل أفضل بكثير. لكن شيئا من ذلك كله لم يحدث. و(لو ) تفتح عمل الشيطان!. التنظير للإنهزامية ! المحزن حقا أن هذا التخاذل العربي في مواجهة المشروع الصهيوني، والعدوان الإسرائيلي- الأمريكي يتكرر دائما بدرجة أو بأخرى وبشكل أو بآخر في أغلب المنعطفات الحاسمة للصراع ورغم اتضاح الخطر الهائل الذي تمثله الدولة الصهيونية على العالم العربي بأسره، ورغم الدعم الامريكي السافر واللامحدود للعدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني والشعوب العربية فإن العرب يظهرون عجزا مشينا عن حشد قواهم واستخدام إمكاناتهم للإرتفاع إلى مستوى مقتضيات المواجهة وغالبا ما يجد الشعب الفلسطيني نفسه وحيدا كليا أو تقريبا في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية الوحشية باستثناء حفنة تافهة من الدولارات.. وفيض من الخطب الحماسية.. لا تلبث أن تتحول تدريجيا إلى دعوات (للواقعية ) ومباركات (لتسويات سلمية ). وتنظيرات فجة لضرورة (عدم إهدار فرص السلام ).. وتفتح بعض العواصم العربية للسفارات ومكاتب التمثيل الإسرائيلية، بينما يتعرض الشعب الفلسطيني لمجازر مستمرة.. وكأن أغلب العرب لا يتعلمون شيئا من دروس التاريخ. بل إن الجرأة تصل بدعاة (الواقعية ) إلى لوم الشعب الفلسطيني والدول العربية على ما يعتبره هؤلاء (الواقعيون) نوعا من (الخطيئة الأصلية ) برفض قبول قرار التقسيم لعام 1947، بدعوى أن موافقة العرب على هذا القرار كان من شأنها أن تمنع ضياع ما تبقى من فلسطين، وأن تسمح بإقامة دولة فلسطينية على ما تبقى من الأراضي المقدسة، إلى جانب الدولة الصهيونية. فهل صحيح أن ذلك كان يمكن أن يحدث، وأن العرب (أضاعوا الفرصة ) بسبب ( عدم واقعيتهم )؟ للإجابة عن ذلك السؤال ينبغي أن نضع في اعتبارنا عددا من الحقائق. أولا: كانت فلسطين كيانا دوليا حتى وهي تحت الإنتداب البريطاني، بينما لم يكن هناك وقتها كيان دولي اسمه إسرائيل، بل مستعمرون أجانب يطالبون لأنفسهم بدولة على أرض شعب آخر.ولم يكن معقولا أن يسلم العرب أو الفلسطينيون بشرعية كيان لم يقم بعد بينما لم يبد العدو أية نية في الاعتراف بكيان لهم ! ثانيا: ولم يكن معقولا أن يحدث ذلك بينما يعطي قرار التقسيم 56% من مساحة فلسطين للصهاينة. على حين لم يكونوا يسيطرون فعليا إلا على أقل من 6% من مساحة البلاد.. فبأي منطق كان مطلوبا أن (يتنازل) الفلسطينيون، طوعا عن الجزء الأكبر من بلادهم للصهاينة ؟! وهل سمعنا في تاريخ أي شعب عن شئ مشابه؟ ثالثا: لم يكن العرب قد خاضوا بعد معركة ضد الحركة الصهيونية في ذلك الوقت.. فهل كان معقولا أن يسلموا بالتخلي عن الجزء الأكبر من فلسطين دون قتال يحاولون حشد قواهم واختبارها فيه؟ رابعا: لم يكن المقصود بقرار التقسيم إقرار حق للعرب- باعتبار أن البلاد بلادهم أصلا- وإنما (حق) للمستعمرين الصهاينة. ولم تكن الدول الاستعمارية وقتها مهتمة بإقرار حق عربي في أي شبر من فلسطين، وإنما بإقرار (حق) المستعمرين الصهاينة. وبمعنى آخر فإنه حتى إعلان دولة عربية على أساس قرار التقسيم لم يكن ليجلب لها بالضرورة اعتراف الدول الكبرى بها أو بحدودها، والدليل على ما نذهب إليه هو أن إسرائيل حصلت على اعتراف ودعم هذه الدول الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة رغم أن الدولة الصهيونية لم تعلن لنفسها حدودا ثابتة أبدا، ورغم أنها استولت على أراض أكثر بكثير مما كان يعطيه لها قرار التقسيم. وإذن فإن رفض قرار التقسيم كان منطقيا.. ومالم يكن منطقيا أو (واقعيا) هو ذلك التخاذل المشين الذي أبدته الأنظمة العربية في الدفاع عن فلسطين، ومواجهة وإفشال المشروع الصهيوني.وبتعبير آخر إتخاذ موقف متشدد بالكلمات.. متخاذل عند الفعل.. ثم خوض (حرب الميكروفونات) ضد (دولة العصابات المزعومة ) دون أي استعداد جدى للحرب الحقيقية، حتى ضاع ما تبقى من فلسطين، وأجزاء كبيرة من أراضي بلدان عربية أخرى في يوم مشئوم آخر من تاريخنا.. 5 يونيو عام 1967. ومرة أخرى لم يكن الموقف المتشدد أو المبدئي هو المسئول عن ضياع ما تبقى من فلسطين، أو الأراضي العربية الأخرى.. وإنما غوغائية الأنظمة وصوتها العالي عند القول، وتخاذلها المشين عند الفعل، وعدم استعدادها الجدي للحرب.. وهو مالا يزال العرب يدفعون ثمنه حتى الآن وسيظلون يدفعونه طويلا على ما يبدو.. ففلاسفة الهزائم يدعون إلى الرد على استمرار الاحتلال والعدوان بثقافة السلام ويطالبون الشعب الفلسطيني البطل (بوقف العنف) و(العودة إلى مائدة المفاوضات) أي بإلقاء سلاحه وتسليم رقبته إلى سكين مجرم الحرب شارون ورفاقه! ولا حول ولا قوة إلا بالله. ـ كاتب مصري