بعد حوالي عام من وفاة الزعيم والرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة رحمه الله، قامت بعض المؤسسات السياسية والأكاديمية الحكومية والخاصة في تونس بتنظيم ندوات لاحياء هذه الذكرى واستخلاص العبرة من حياة هذا الرجل وكفاحه وكان الحزب الحاكم في طليعة هذه المؤسسات وكذلك مركز التميمي للبحوث والدراسات بمشاركة شلة من الرجال الذين عملوا مع الزعيم وعرفوه وعايشوا مختلف النجاحات والاخفاقات التي كانت على مدى ثلاثين عاما محطات تاريخية أثرت عميق التأثير على حياة ومشاغل وهموم المجتمع التونسي سلبا وايجابا. وسيبقى رصيد المرحوم الحبيب بورقيبة في كل الحالات على ذمة التاريخ والمؤرخين ليقيموا تداعياته بعيدا عن العاطفة والحساسية والمبالغة، خدمة لتونس ولاقليم المغرب العربي وانارة لمسالك المستقبل. ولعل أفضل المتحدثين في هذه المناسبة وأقربهم للاعتدال وألصقهم بالمعلومة الصحيحة هو الصديق الطاهر بلخوجة وزير الداخلية التونسي من 1973 إلى 1978 ووزير الاعلام من 1981 إلى 1983 وهو الرجل الذي كانت مسيرته السياسية نموذجا مصغرا للمناضل الوطني الذي تقلب في الأحداث الكبرى وتفاعل معها ووضع يده على جمر المسئوليات الحكومية ثم على جمر الاختلاف في الرأي مع الزعيم أو المقربين. وهو من الذين عرفوا أعلى المناصب وكذلك زنزانات سجون بورقيبة عندما عصفت به احدى غضبات الزعيم المعروفة. فالطاهر بلخوجة من هذا المنطلق يمكن أن يكتسب الخبرة والمصداقية ثم وأفضل منهما الحكمة التي يخرج بها كل من أمسك بجزء من مقاليد الدولة ثم احترق بنارها. وهذه الحكمة هي التي تعطي النكهة والمعنى لمن يطالع كتابه الأخير الصادر عن الدار الثقافية للنشر بعنوان «الحبيب بورقيبة ... سيرة زعيم ... شهادة على عصر». وقد ولد المؤلف عام 1931 وتخرج مهندسا زراعيا ثم تحمل مسئولية الأمين العام للاتحاد العام لطلبة تونس ثم عمل دبلوماسيا تونسيا بباريس في عز الأزمة بين فرنسا وتونس والتي اندلعت في أعقابها حرب «بنزرت» التحريرية وكانت سجالا دمويا بين شعب تونس تقوده ارادة زعيمه بورقيبة وآخر ممارسات الامبراطورية الفرنسية تقودها ارادة زعيمها شارل ديجول. وقد عرفت شخصيا الطاهر بلخوجة في ظروف طريفة شيئا ما، ففي سنة 1973 سافرت إلى الجزائر وقابلت بعض رموز المعارضة التونسية هناك وعندما عدت إلى تونس تم حجز جواز سفري وخضعت لتحقيق في أحد مراكز الشرطة وطلبت من الصديق محمد مزالي وكان وزيرا للصحة أن يخاطب زميله في الحكومة وزير الداخلية الطاهر بلخوجة وبالفعل حصلت على جواز سفري في ظرف ساعات وتم حفظ الملاحقة ضدي. ثم تحملت في مطلع الثمانينيات مسئولية رئاسة تحرير صحيفة «العمل» لسان الحزب الحاكم وكان الطاهر بلخوجة وزيرا للاعلام يتميز بمواقفه المناهضة للتصادم مع اتحاد العمال والمؤيدة للانفتاح الديمقراطي ثم عرفته زميلا في البرلمان وكان هو يرأس قائمة المهدية بينما كنت أرأس قائمة القيروان ثم عرفته أكثر حين ترافقنا في المنفى بباريس في آخر عهد الزعيم بورقيبة، إلى أن تولى الرئيس زين العابدين بن علي رئاسة الجمهورية وشرع في طي صفحات الماضي ورد الاعتبار لكوكبة من التونسيين المنفيين كما قام الرئيس بالحفاظ على رصيد بورقيبة وتأمين صحته وسلامته إلى وفاته. قدم للكتاب الأستاذ محمد اليعلاوي الأستاذ الجامعي المعروف والوزير الأسبق للثقافة والذي عدد المعوقات القائمة لكتابة التاريخ الراهن في مذكرات من يضعونه فقال: أول المعوقات فقدان الوثائق أو تزويرها والمعوق الثاني هو سكوت وسائل الاعلام والثالث هو تلاشي الذاكرة ودبيب النسيان والرابع هو الميل الفطري لكل كاتب مذكرات إلى ابراز دوره وتبرير موقفه. وأنا ألاحظ من خلال مطالعة الكتاب ان الطاهر بلخوجة نجا من هذه المعوقات المحبطة لانه احتفظ بأهم الوثائق (على سبيل المثال وثائق خرائط وبطاقات الاستفتاء للوحدة المجهضة بين ليبيا وتونس في يناير 1974) ولان الكاتب كوزير داخلية سابق ووزير اعلام سابق يعرف خفايا الأحداث التي عاشها وشارك فيها ولم يكن في حاجة إلى تعليق وسائل الاعلام. أما الرغبة الفطرية والطبيعية لدى كل كاتب مذكرات في أن يبرز موقفه ويبرر سلوكه فهي رغبة مشروعة في نظري وعلى كل من يعترض على موقف أو يشكك في سلوك أن يكتب هو الآخر حتى يتضح للجيل الراهن ـ ومن خلال الحوار الديمقراطي الحر ـ ما هو صحيح وما هو مبالغ فيه وما هو خطأ. فالتاريخ في جوهره نتيجة لجدل حول التاريخ وهذا الجدل لم يكن متاحا في العالم العربي بالنظر إلى شح المذكرات السياسية ـ إذا ما استثنينا مصر ومذكرات محمد حسنين هيكل وخالد محيي الدين وسعد الدين الشاذلي ـ فالحكام العرب لم يتفرغوا لتحرير المذكرات مثل نظرائهم الأوروبيين والأمريكان لأسباب جلها معروف لسنا بصدد تحليلها. على كل حال يأتي كتاب الطاهر بلخوجة في أوانه ليكشف خفايا وأسرارا مهمة ويلقي عليها أضواء كاشفة تحمل حرارة المعايشة الحميمية للأحداث في الصفوف الأولى إلى جانب زعيم من زعماء العالم العربي كانت مسيرته مزيجا طبيعيا من الانجازات الكبرى والأخطاء الكبرى شأنه شأن كل الزعماء التاريخيين حين ينتابهم شعور عميق بأن ذواتهم تمتزج بأوطانهم وان اشخاصهم تندمج في شعوبهم. وهذا الشعور لم يكن وقفا على بورقيبة بل كان هو المحرك الباطن لزعماء أمثال جمال عبدالناصر ـ وأعتقد ان الخلاف بين الرجلين في الستينيات كان على هذا الأساس النفسي المزاجي ـ ويكتشف قارئ هذا الكتاب الشوارع الخلفية لأحداث جسيمة هزت المجتمع التونسي على مدى ثلث قرن، منها تجربة الاشتراكية القسرية على يدي وزير الاقتصاد والمالية الأسبق أحمد بن صالح والتي بدأت بايداع الطاهر بلخوجة السجن وانتهت بايداع أحمد بن صالح السجن! وكذلك أسرار الصدام العسير العنيف بين الحكومة ومنظمة العمال والتي بلغت ذروتها يوم الاضراب العام 26 يناير 1978، ثم أسرار احتضان تونس لمنظمة التحرير الفلسطينية عام 1982 بعد خروجها من لبنان، ومناورات السياسة والتأثير والنفوذ من حول الزعيم في مختلف مراحل رئاسته وتحديدا تلك التي كانت تدور حول الرجل المريض في مرحلة الثمانينيات والتي انتهت بأحداث الترفيع في سعر الخبز يوم الثالث من يناير 1984، فاتحة بذلك عمل نهاية الحكم للزعيم وهو تحت وطأة الطعن في السن وتراكم الأمراض ... إلى غاية التحول السياسي الذي حققه الرئيس زين العابدين بن علي ووضع به حدا لمرحلة خطيرة من مراحل تاريخ تونس الحديث ولفتح صفحات جديدة تضع تونس تدريجيا على طريق الديمقراطية والتقدم، التي وضعها الطاهر بلخوجة في آخر كتابه قائلا: هذه الجمهورية تشرف على القرن الحادي والعشرين وهي في حاجة إلى التطوير في عهد جديد مع جيل شاب متعطش للحرية والديمقراطية، حريص على الرخاء الفردي والازدهار الوطني، في عالم متغير بسرعة ... ولا شك ان الطريق وعر وشاق ولكن لا بديل عنه. ـ أستاذ الاعلام ـ جامعة قطر