ما بين الخامس من يونيو 1967 والخامس من يونيو 2001 اربعة وثلاثون عاما لن تستوقفنا عند استعراضنا لها كشريط فيديو إلا ثلاث من المحطات المضيئة: الانتفاضة الفلسطينية الاولى خلال الفترة 1987 ـ 1990 والانتفاضة الثانية التي بدأت عام 2000، وما جرى ما بين الانتفاضتين من انسحاب اسرائيلي نهائي من لبنان بعد ذلك الانتصار التاريخي للمقاومة الشعبية اللبنانية. والمغزى المشترك بين هذه المحطات الثلاث هو ان المقاومة الشعبية المسلحة هي اللغة الوحيدة التي تتفهمها اسرائيل، عدا ذلك كانت الاربعة والثلاثون عاما الاخيرة مسلسلا طويلا من عبث للانظمة العربية شاركت فيه القيادة الفلسطينية التقليدية. «ايلول الاسود» في الاردن عام 1970 كان باكورة العبث بعد هزيمة 67 حين تبددت الطاقة العسكرية للقوات الفلسطينية في اقتتال واسع النطاق مع جيش حكومة عربية بينما كان الاحتلال الاسرائيلي يوطد اقدامه في الضفة الغربية لنهر الاردن. واذا كانت حرب اكتوبر 73 التي اندلعت بعد ثلاث سنين من «ايلول الاسود» تصنف تاريخيا كأول انتصار عسكري عربي على اسرائيل فإن النتائج السياسية التي افرزتها لم تكن بحجم ذلك الانتصار وقيمته فقد افضت نهاية الحرب الى تداعيات غريبة في الميدان الدبلوماسي انتهت الى «كامب ديفيد» واذا كانت استعادة ارض سيناء تعتبر «درة التاج» في اتفاق كامب ديفيد فإن من شروط هذا الاتفاق المطبقة فعلا ان تبقى سيناء أرضا منزوعة السلاح تقيم عليها قوات هي دولية اسما وامريكية واقعا. «ايلول الاسود» ادى الى هجرة فلسطينية جديدة الى لبنان مع انتقال مقر منظمة التحرير نفسها الى بيروت مما اعتبره مسيحو لبنان اختلالاً للمعادلة السكانية من المنظور الطائفي الديني فكان ذلك ايذانا بحرب اهلية لبنانية اندلعت في منتصف السبعينيات ولم تتوقف إلا عند مطلع التسعينيات. وفي هذه الاثناء وقع تطوران كبيران خطيران: في عام 1980 وقعت حرب الخليج الاولى بين العراق وايران وبعد عامين قامت اسرائيل باجتياح لبنان عسكريا مستثمرة الحرب الاهلية بهدف تصفية الوجود الفلسطيني على الارض اللبنانية.. فكان من نتائج هذا الغزو طرد قيادة منظمة التحرير الى تونس وتشتيت كوادرها القتالية في جميع انحاء العالم العربي. جرى هذا بينما اصطفت الانظمة العربية عسكرياً او ماليا او سياسيا وراء العراق في حربه مع ايران مولية ظهرها تماما للاحتلال الاسرائيلي ومصير الشعب الفلسطيني. لكن بعد سبع سنوات من هذا التجاهل تراءى للشعب الفلسطيني ان يقرر مصيره بنفسه فكانت انتفاضة 1987 ولمدى السنوات الثلاث التالية طاش صواب قادة اسرائيل وهم يكابدون عمليات قمع الانتفاضة المتصاعدة بينما تركز اهتمام العالم كله على ما يجري في الارض المحتلة. وعلى نحو فجائي تماما جاء الغزو العراقي للكويت وما تبعه من تداعيات افضت الى حرب الخليج الثانية، وما كاد غبار الحرب يستقر حتى نشأ مناخ جديد تماماً في الوطن العربي انتقلت فيه القضية الفلسطينية من ايدي المقاومة الشعبية الى ايدي رجال المؤتمرات والمفاوضات والمساومات. وفي لمح البصر جاءت «اوسلو» وتبعتها «وادي عربة» فبدا وكأن قضية تحرير الارض الفلسطينية قد طويت صفحتها الى الابد. وكما قامت الانتفاضة الاولى بعد سبع سنوات من اندلاع الحرب العراقية الايرانية اشتعلت الانتفاضة الثانية بعد سبع سنوات من اوسلو.. ولكن بعد سنة واحدة من انتصار المقاومة اللبنانية. وننظر الآن للوراء لنرى بوضوح انه عدا الانتفاضتين وحرب التحرير اللبنانية كان التاريخ العربي لمدى العقود الثلاثة الاخيرة مجرد مسلسل عبثي لا يشرف احدا.