لا شك أن رحيل القائد فيصل الحسيني على عجل ،شكل فاجعة كبرى في هذا الظرف السياسي الرديء الذي تمر به القضية الفلسطينية ليس للفلسطينيين فحسب، بل وللامتين العربية والإسلامية.ولعل عظمة هذه الفاجعة تكمن في عظمة الملف السياسي الذي حمله الحسيني منذ اللحظة الأولى،التي استكمل فيها الجيش الإسرائيلي احتلاله للشطر الشرقي من المدينة المقدسة وإعلانه عن توحيد شطريها، واعتبارها عاصمة موحدة وأبدية لدولة اسرائيل. بينما وجد الرجل أن هذه القضية هم يومي لا يمكنه الابتعاد عنه بل توحد همه المقدسي لدرجة أصبحنا نجهش في اللغة بينه كابن للقدس وبين قدسية المكان،وما يحمله لنا من رموز أبدية تقوم على الحق والاعتقاد، وقوة القناعة والإصرار على استعادة هذا الحق لاصحابه ومريديه من فلسطينيين وعرب ومسلمين. وقد لا نبالغ أو نوغل في القول كثيراً،أن فيصل الحسيني أعطى زخماً إضافياً،غير الذي كنا نلحظه قبل انعقاد مؤتمر مدريد في مستهل تسعينيات القرن الماضي،أي أنه أجج المشاعر ووجه الأنظار منذ انطلاقة الانتفاضة الفلسطينية الكبرى في نهايات العام 1987، والتي دامت قرابة سبع سنوات أو ما يزيد، وأعطى بعداً إضافياً للنضال من أجل هذه القضية الكبرى،حيث زاوج السياسي مع الاعتقادي،وهذا الأمر بحد ذاته زاد من عظمة و أهمية هذه القضية على المستوى السياسي العام، والتي أصبحت فيما بعد بوصلة المنتفضين والمناضلين ومرجعية للسياسيين على ساحة الوطن الكبير والامة المترامية الأطراف،التي لا يمكن تخطيها. لكن بعيداً عن مشاعر الحزن وبيانات النعي والتعظيم الذي فاز بها الرجل الفقيد وابن الشهيد، بكل جدارة ودون لبس أو تسويف حياً كان أم ميتاً، يمكننا القول أن القدس بما تمثل، أو إذا شئت بما تحتله من مساحة كبرى في العقل والنفس العربي والإسلامي، ستبقى قضية متوهجة ومتأججة تشد العقول والأنفس نحوها،لا يمكن أن تختزل بشخص أياً يكن هذا الشخص وقدراته وملكاته العقلية والذهنية، ولا بملف سياسي قد يحمله هذا السياسي أو ذاك على طاولة التفاوض بين هذا الطرف وذاك، وأن الأشخاص،على مدار التاريخ، كانوا وما يزالون يستمدون بكل تأكيد مكانتهم من عظمة هذه المدينة، التي على ما يبدو ستبقى محط أنظار المحاربين حتى يكتب الله أمراً كان مفعولا. ولهذا يمكننا القول، ان القدس كقضية، ليست قضية فلسطينية،حتى وأن كانت هي العاصمة الأبدية لدولة فلسطين الناجزة، وأن القدس التي شهدت أكثر من أربعين غزوة واحتلالاً، كانت بحجارتها وأبنيتها وبأهلها وببواباتها العتيقة المرصعة برموز الغازين،تغالب الفناء، لان حضنها الدافئ والعطوف لا يحتمل أو يحنو إلا على أصحابها الشرعيين، واولئك الذين يأتونها من كل فج عميق،يحملون معهم عهد مسالمتها، ودون ذلك فأن تاريخها يشهد بأنها كانت الأقوى على لفظ كل من كان يخرج على روحانيتها شاهراً سيف غدرها،أو المساس بعمود من أعمدتها الشامخة الشماء. وقد يكون من اللافت أنها لم تجزع أو تخف أو ترتجف أو تصطك يوماً،لأنها كانت تجد على الدوام رجالاً أشداء يمنحونها الدفء في لحظين متناقضتين، إن كان ما يسمى بلحظة الصقيع الساخن أو البارد،من خلال إشهار سيوف الحق بصرف النظر عن العدة والعديد التي يستحوذون عليها، في وجه الباطل الذي يسعى لتغيير ليس صورتها وحسب، بل ولخدش روحها الحالمة بيوم يختزل في ثناياها فصول السنة ربيعاً وخريفاً، شتاءاً وصيفاً، لتتوقف بعدها عقارب الزمن على وجه هذه الخليقة. فإذا كان القدماء منا، قد حملوا سيوفاً ماضية في مواجهة الطامعين والطامحين لتدنيس قدسيتها، نجد اليوم من يمتشق سلاح الحجر والبيرق والتصميم على الثبات في أزقتها وبيوتها دفاعاً عن هويتها العصية على التغيير أو التزوير، ووفاءً على العهد،الذي قطعته أجيالنا المتواصلة على نفسها جيلاً بعد جيل بأن تبقى هذه المدينة تنظف ذاتها من دنس المحتلين الغزاة. فإذا كان الفارس الحسيني،قد ترجل تاركاً شرف الدفاع عن مدينته المقدسة، رغماً عنه في لحظة غفلة امتدت يد القدر إلى قلبه المتعب،فإن ملايين الفرسان من أبناء هذه الأمة سيبقون قابضين على شرف الدفاع عنها، وأن الأمة التي أنجبت أولئك العظماء الذين تركونا منذ قرون كعمر وصلاح الدين والظاهر بيبرس وغيرهم، لا تزال تحتفظ بذات الرحم الخصب،الذي يتناسل رجالاً أفذاذاً قادرين على مواصلة مسيرة الدفاع عن القدس وما حولها.ولعل ما يمنحنا الطمأنينة على الدوام إزاء مستقبل مدينتنا المقدسة، هي تلك العيون الشاخصة نحوها أملاً وتصميماً على تطهيرها، من كل بقاع العرب والمسلمين،فكما جاءها الخليفة عمر بن الخطاب من عمق الصحراء من جزيرة العرب، حاملاً معه غصن الزيتون بيد والسيف بيده الأخرى، جاءها صلاح الدين من جبال كردستان حاملاً سيف العزيمة والإيمان، سيأتيها الكثير الكثير ممن وجدوا في هذه الطريق ضالتهم المتفائلة بالنصر والانتصار لهذه المدينة المكلومة، والتي لا تزال تتلظى على نيران الحقد الصهيونية. خاصة وأن هذه الأمة ما عرفت ولم ولن تعرف الكلل أو الملل في الذود عن حقها، أياً تكن ضخامة التضحيات الجسام،باعتبارها مقتنعة كل القناعة أن العبرة تكمن على الدوام بالنتائج ليس إلا. ـ كاتب فلسطيني مقيم بدمشق