الهزيمة العربية الكبرى سيناريو قاتم يصور انه بعد 48 ساعة من ابتداء المعركة استسلمت الجيوش العربية لاسرائيل التي شنت هجوما مساء أمس الأول بالقنابل الالكترونية والكربونية شلت بها شبكة الاتصالات ومحطات الكهرباء، وتزامن ذلك مع تدميرها لمراكز القيادة والتوجيه، وتحدد مكان وزمان مفاوضات السلام مع الدول العربية. ماذا يجري؟ هل هذه نهاية العرب؟ أوليس الثورة العربية الكبرى تقارب الـ 100 عام ومازال العرب في هزيمة تلو الأخرى؟ السيناريو أعلاه ما هو إلا محض تصور قاتم ومروع لأسوء ما يمكن أن يحدث، ولكنه ذو اهمية كبرى في التخطيط الاستراتيجي، ويعرف باستراتيجية «الموت» الذي تستخدمه المؤسسات التجارية في صقل استراتيجياتها على النحو التالي «بعد خمس سنوات أعلن إفلاس الشركة! ما هي الأخطاء أو الأمور التي أدت إلى ذلك؟» إن هذا التكتيك يمتاز عن غيره انه يبدأ من نهاية مروعة ويدعو إلى النظر للمواقف بامعان واهتمام أكثر، فان لم يتم اكتشاف تلك الأخطاء والأمور ووضع البرامج لعلاجها فالموت «إفلاس الشركة» سيكون في الانتظار. إن هذا الاسلوب في التخطيط الاستراتيجي يجعل المخطط والمفكر وصانع القرار في زاوية مختلفة وعقلانية جديدة، بمعنى آخر هل اللعبة التي نلعبها خطأ أو هناك لعبة أخرى؟ التحليل الاستراتيجي يؤدي التحليل الاستراتيجي الى استنباط النقاط المهمة والحرجة والمؤثرة للوصول للهدف، فيتم وضع برامج تفعل هذه النقاط من الأهم إلى المهم، وعادة ما يتم في التحليل ابراز الايجابيات والسلبيات في محاورة القوة والضعف والفرص المتاحة والخطورة، وباختصار فان السيناريو القائم أعلاه يعكس التالي: 1 - الخطورة: الاستمرار في نفس الاستراتيجية. 2 - الفرصة المتاحة: اعادة صياغة الاستراتيجية. 3 - القوة: امكانيات بشرية ومعنوية ومادية. 4 - الضعف: المواجهة مع قوة ضاربة. فاذا ما تم تصنيف هذه القوى المؤثرة، فان نقطة الضعف هي النقطة الحرجة التي تحتاج إلى مزيد من التحليل. اللوبي اليهودي لماذا اسرائيل قوة ضاربة؟ لا يختلف اثنان بأن السبب الرئيسي وراء ذلك الولايات المتحدة، والسؤال المطروح نفسه! لماذا تعتبر الولايات المتحدة اسرائيل حليفتها (بينما العرب أصدقاءها) وتقوم باسنادها اللامحدود عسكريا وماديا ومعنويا؟ الجواب هو في احد جوانبه الرئيسية والبارزة مساندة ومؤازرة الأمريكان اليهود لها على الرغم من انهم أقلية وعددهم ستة ملايين ويشكلون 3% من عدد الناخبين، إلا انهم استطاعوا صب هذه الموارد عليها. بل أغرقوها من الدعم المتواصل، ولكن كيف وصلوا لهذه القوة؟! إن نجاح اليهود في الوصول والتأثير على آلية الحكم يكمن في تاريخ الهجرات الأولى للولايات المتحدة وما تعرضوا له في مجتمع مسيحي متحفظ حقدا على اليهودية ومن الطبقات العاملة التي في الأزمات الاقتصادية تقوم باتهامهم بالاستبداد والتسلط الاقتصادي، فكان من الطبيعي منهم تفعيل عدة استراتيجيات تضمن عيشهم بسلام وحرية، ومن أهم ادخال الليبرالية لمواجهة التحفظ وتسويق الارتباط الاجتماعي المشترك والمتمثل في القيم المشتركة المسيحية اليهودية (عيسى عليه السلام يهودي أرسل لليهود، ومن ناحية المبدأ ليس هناك فرق بين اليهود والمسيحيين، ومن ثم استخدمت لتفضيلهم على العرب انهم الذين يعتمد عليه للمحافظة على المصالح الأمريكية والغربية في المنطقة، وان اسرائيل دولة ديمقراطية) واستخدام الاعلام والقانون لحماية مصالحهم. وذكر جوثان جولدبيرج في كتابه «قوة اليهود في أمريكا» ان أول جمعية خيرية قامت في نيويورك عام 1860 تخدم اليهود المهاجرين، وأول وكالة للدفاع عن مصالحهم «الهيئة الموسعة لممثلي يهود أمريكا» عام 1859، وكما قاموا بانشاء الجمعيات المختلفة والتغلغل في المجتمع الكبير بتبني مشاريع اجتماعية وخيرية والتحالف مع الأقليات وبالأخص الأمريكان السود الذي كان حتى عام 1975 ايهوديا رئيسا للجمعية القومية لتنمية الملونين التي تأسست عام 1915، وحفزوا أبناءهم من اقتناء العلم للوصول إلى المراتب العالية والمراكز المهمة، (ويشكل اليهود نسبة 20% في الجامعات المرموقة ومكاتب المحاماة الشهيرة) وان يكونوا نشيطين سياسيا للوصول لتلك المواقع الحساسة الضامنة لمصالحهم ويمارس اليهود الأمريكيون نفوذا لا يتناسب مع حجم تعدادهم، وتنبع قوتهم من نشاطهم في العمل المدني والمعدل المرتفع لحجم تبرعاتهم وتضامنهم. لقد نجح الأمريكان وبشكل كبير في الوصول إلى مفاتيح الأمور، فعلى سبيل المثال هناك 11 شيخا من أصل يهودي في مجلس الشيوخ المكون من 100 شيخ، ونرى هنا التمثيل غير المتوازن بين النسبة العامة لهم في الشعب ونسبة تمثيلهم، والذي يزيدهم قوة أكثر هو كيفية صناعة القرار في مجلس الشيوخ الذي يعتمد على اللجان المختلفة، فإذا ما تركزوا في لجنة أو أخرى فمن الطبيعي أن تسير القرارات على يدهم، أما مجلس الأمن القومي في عهد الرئيس السابق والذي يتكون من خمسة أعضاء ثلاثة منهم ذو انتماء يهودي، ناهيك عن تركزهم في الأجهزة الحكومية كدائرة الشرق الأوسط بوزارة الخارجية، والأسوأ من ذلك ان بعضهم يحمل الجنسية المزدوجة الأمريكية والاسرائيلية (أحد انتصاراتهم التشريعية). إن ولاء الأمريكي اليهودي الأول والأخير هو لهويته الأمريكية، أما إذا كان القرار متعلقا باسرائيل والعرب فان الجميع يعرف أين سيكون اتجاه هذه العاطفة «متى عرف السبب بطل العجب»؟ الشعب الأمريكي بصفة عامة كادح ومسالم وعاطفي يحب الخير له ولغيره، ولا يكترث بما يقوم به الساسة وصناع القرار طالما مصالحه الشخصية في أمان، ويتأثر بالأحداث التي تنقلها وتصيغها له وسائل الاعلام فيبني عليها انطباعاته وآرائه الشخصية نحو المواقف المختلفة التي تنعكس في استطلاعات الرأي، وهذه الاستطلاعات يعتمدها الساسة وصناع القرار في صياغة قراراتهم. وهكذا فاذا كانت نقطة الضعف عند العرب هي قوة اسرائيل النابعة أولا وأساسا من الولايات المتحدة، فان جميع الحروب والمعارك التي نخوضها لاسترداد حقوقنا تذهب سدى، فالمعركة الحقيقية ليست في القدس وقطاع غزة بل في واشنطن وقطاع الرأي العام الأمريكي. الخيار الاستراتيجي كأحد أهم آليات الخيارات الاستراتيجية يبرز النموذج الأمريكي اليهودي الناجح الذي جعل من اسرائيل تلك القوة الضاربة والمتغطرسة، وإذا ما برزت قوة أو قوى جديدة تنافسها وتبرز المصالح الحقيقية للولايات المتحدة في المنطقة، تغيرت معها اللعبة وقوانينها. لقد أعلنت الحكومة الأمريكية مؤخرا ان الأمريكان المسلمين قد تجاوز عددهم الأمريكان اليهود وان الاسلام أسرع الديانات انتشارا، وتشير الاحصائيات غير الرسمية بأن الأمريكان العرب والمسلمين يناهز عددهم عشرة ملايين، وباستمرار هذا الانتشار للإسلام بنسبته العالية والزيادة السكانية المرتفعة للعرب والمسلمين اضافة إلى المهاجرين الجدد، فان هذا الرقم سيتجاوز 30 مليونا خلال العقدين المقبلين مما يعطيه ثقلا انتخابيا يضاهي التجمع المسيحي المحافظ وعند مصاحبة ذلك نشاط في العمل المدي فعندها سترجح كفة القوى السياسية لصالح الحق. وهناك عدة عوامل تجعل هذا أكثر فعالية من ضمنها: 1 - قيام المؤسسات والجمعيات الإسلامية وأصحاب الخير في البلاد العربية والإسلامية بمساندة اخوانهم في أمريكا ببناء المساجد والمراكز الإسلامية، ودعمهم في الدعوة للإسلام. 2 - قيام الوسائل الاعلامية وخاصة التلفزيونية والموجهة لشمال أمريكا باحتضان البرامج السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهؤلاء الأمريكان، تعطيهم فرصة لنقاش مشاكلهم بنفسهم، مما سيسهم في بروز طبقة قيادية مهتمة بأمور العرب والمسلمين، ويعطي متابعة واسعة للأمريكان والعرب المسلمين للمشاركة في التأثير على صنع القرار. 3 - انشاء ودعم منتديات الصداقة ومراكز الدراسات الأمريكية العربية وتبادل الزيارات، والإسهام في مساعدة المنتديات والمراكز العربية الأمريكية المتواجدة في الولايات المتحدة في أبحاثها ومشاريعها المختلفة. ـ كاتب من الامارات