اليوم، الخامس من (يونيو)، يصادف ذكرى يوم مشهود من أيام العرب في العصر الحديث. ففي مثل هذا اليوم منذ 43 عاما لقيت عدة جيوش عربية هزيمة منكرة، ربما لا تزال تداعياتها باقية حتى يومنا هذا، وهي الهزيمة التي منيت بها جيوش دول المواجهة على يد الآلة العسكرية الإسرائيلية، التي صورها إعلامنا العربي على أنها مجرد جيش من الورق، وأن الانتصار عليه سيكون مبرما، في هذه المعركة الأخيرة، حيث ستكون إسرائيل قد صُفيت تماما (حسب الرؤية المبالغة للإعلام العربي!!). ومنذ ذلك اليوم المشؤوم، حتى الآن، مرت مياه كثيرة في نهر الصراع العربي - الإسرائيلي، وعبرها جيل كامل من المنطقة، ويبقى أن العديد من المؤرخين من العرب وغيرهم يعتبرون ذلك اليوم البعيد وما أعقبه من أحداث منعطفا خطيرا وبالغ التأثير في مسيرة المنطقة العربية بأسرها، سياسيا وعسكريا، كما مثل تحولا خطيرا ونقطة فاصلة بين خطابين، على المستويين العربي والفلسطيني، فبعد أن كانت الإستراتيجية العربية تتمحور حول «تحرير فلسطين من النهر إلى البحر»، تراجعت بعد الخامس من يونيو لتكتفي بـ «إزالة آثار العدوان الإسرائيلي، والسعي إلى تحرير الأراضي التي خسرتها الدول العربية إثر الهزيمة البشعة». لقد كانت هذه الهزيمة - بالفعل - نهاية مرحلة عربية، وبداية لمرحلة أخرى جديدة. الخطاب المتناقض لم يكن التغير الذي طرأ على الوضع العربي تغيرا جزئيا أو فرعيا، بل جذريا شاملا، سواء في الخطاب السياسي أو على المستوى الميداني، وهو أمر لا يزال يفرز تناقضاته، حتى وصلنا إلى الدائرة التي نراوح فيها الآن، والتي يستعصي بعض تفاصيلها على التصديق؛ فحتى السلطة الفلسطينية نفسها تغير خطابها تجاه «العدو»، وإن كان خطابها لم يتغير بالدرجة نفسها تجاه جماهيرها من الفلسطينيين، أو تجاه الجماهير العربية بعامة، وهو تناقض ملحوظ لا تخطئه عين المراقب الحصيف. ولعل المشهد الأخير في سلسلة تغير الخطاب تجاه العدو ما حدث في الأسبوع الماضي، وهو شاهد حي على ذلك التناقض الفظ الذي ألمحنا إليه، ففي الوقت الذي تتنادى فيه الشعوب العربية - مؤسسات وأفرادا، حكومات وشعوبا - إلى إعادة النظر في مسيرة السلام المتعثرة، وترفع شعارات المقاطعة بأشكالها المختلفة للضغط على إسرائيل، إذا بالقيادة الفلسطينية، ممثلةً بالسلطة، ترسل تعازيها في قتلى قاعة الأفراح «فرساي» في مدينة القدس، في حادثة راح ضحيتها ثلاثة وعشرون قتيلا إسرائيليا، وما يقارب ثلاثمائة جريح، في الوقت نفسه الذي تصطاد فيه القوات الإسرائيلية المسلحة - وعن سابق قصد وترصُّد - بعض المقاومين الفلسطينيين، ناهيك عن دك المنازل وتجريف المزروعات وتسليط الطائرات لتلقي حممها على العزل من سكان القرى الفلسطينية! لعل في هذه الثنائية التناقضية الفاقعة بعض ما يقع فيه الوضع الفلسطيني القائم اليوم من تعارض، وهو تناقض هيأت له وتمادت في تعزيزه سياسات تجانب العقلانية والرشد، اعتمدت في بدئها ونهايتها على ما يمكن تسميته بـ «الابتزاز السياسي» غير الموصل إلى نتائج واضحة، بل قد لا يدفع ثمنه إلا المواطن الفلسطيني، الذي يلقى الأمرين من قتل وتشريد من دولة جل همها هو السعي باتجاه محو الوجود الفلسطيني، وتغييبه نهائيا. مثل هذه السياسات ثبت فشلها مرة تلو أخرى، فلقد فشلت في دحر العدوان على أرض فلسطين وشعبها منذ 1948، ثم فشلت في الأردن عندما انتهت بمذابح أهلية وخيمة العاقبة، وكذلك فشلت ثالثا أيضا في بيروت عندما انتهت باحتلال هذه المدينة، التي صارت أول عاصمة عربية يطأ أرضها جنود القوات الإسرائيلية. هذه السياسات التي يتبناها بعض النافذين في القيادة الفلسطينية تجاه الواقع العربي، منذ أكثر من ثلث قرن، لم تكن محسوبة بدقة ولا بتروٍّ، ولا تربطها إستراتيجية محددة ومعروفة مسبقا، فكانت في أغلب الأحيان ردود أفعال عاطفية وبراجماتية مما وسمها بقصر النفس والآنية، ودفعها إلى الدخول في محاور سياسية عربية قد تبررها اللحظة، ولكن لا تبررها مقتضيات القضية بجسامة تبعاتها ومسئولياتها الكبرى. النفق المظلم ولعل مثل هذه السياسات لم تتبدل حتى يومنا هذا أو لم تتبدل جذريا، ولم تستطع القيادة الفلسطينية أن تجيب، بوضوح لا يحتمل اللبس، عن تساؤلات جماهير واسعة حول المطلوب من العرب على وجه التحديد . فكثيرا ما نجد شعارات فضفاضة مثل الدعوة إلى «فتح الحدود»، برغم غموض هذا الشعار من جهة، واستحالته من جهة أخرى. وفي بعض الأوقات تطفو على السطح شعارات مثل «محاربة أمريكا»، وهو كذلك شعار ليس فقط يتسم بالسذاجة، ولكنه أيضا ليست له بالواقع أي صلة. وفي بعض الأوقات يُخيَّل للبعض في تلك القيادة أن تخريب أو المعاونة في تخريب بلد عربي، أو إشاعة الفوضى في أرجاء هذا البلد، هو هدف يقربهم من الهدف البعيد، وهو تحرير بعض من أرض فلسطين. وكل هذه السياسات دافعها الحقيقي هو الإحباط والغضب، وتسعى إلى لوم الآخر، والانخراط في البحث عن تبريرات. وقد يكون مفهوما، وربما يكون عند البعض مبررا، هذا الغضب وذاك التبرير، ولكن منذ متى في التاريخ الإنساني استطاعت ردود الفعل المحبطة المتولدة من الغضب ولوم الآخر أن تشكل سياسة عقلانية إيجابية يمكن أن تسفر عن نتائج فعالة! لم يضرب لنا التاريخ مثالا واحدا يثبت أحقية هذا الاتجاه، بل على النقيض تقول كل التجارب إن التخطيط السليم والأهداف الواضحة والسليمة يجب أن تُعينها وسائل صحيحة وأساليب عقلانية، وإن أكبر الأخطاء التي يمكن لقيادة سياسية أن تقترفها هو انجراف صانع القرار أمام هيجان الشارع بدلا من السيطرة عليه، وانقياده لعاطفة الرأي العام بدلا من توجيهه. عدم الوضوح، وتغليب العاجل على الآجل، والمناورة بقليلها المبرر وكثيرها غير المبرر، هي التي أوصلت القيادة الفلسطينية إلى النفق المظلم و شبه المسدود الذي تراوح داخله الآن، فمن الواضح أن هذه القيادة غير مرحَّب بها في لبنان، التي حرمت منها لفترة تقارب العشرين عاما حتى الآن، وكذلك سوريا التي لم تنسق ولم تستقبل القيادة الحالية لفترة تقارب الفترة نفسها، وعشر سنوات أو تزيد مع الكويت، في الوقت الذي لا تستطيع فيه السلطة الفلسطينية (وهنا المفارقة، ولأسباب ارتباطها بالقوى الكبرى) أن تنسق أو تزور بغداد. وربما لو لم يكن هناك علاقات خاصة جدا مع الأردن لاستمر الفتور وقتا أطول مما أخذ بعد أحداث السبعينيات. تعَّود الكثيرون من العرب أن يكنسوا المشكلات السياسية التي تحتاج إلى مواجهة ومناقشة وتقديم حلول ناجعة لها، وأن يخبئوها تحت البساط، انطلاقا من أن ما لا يُرى لا يُحس، وهي ظاهرة مؤقتة وسريعة العطب، فما يُخبأ تحت البساط سرعان ما يطفو على السطح، وينكشف البساط عن كُناسة تحتاج إلى وقت أطول لتنظيفها، كما تعود العرب أكثر الخلط الشديد بين القضايا والأشخاص. الظاهرة العاطفية ولعل ما حدث في نهاية الأسبوع الماضي في الكويت من نقاش حول زيارة المرحوم فيصل الحسيني، وما رافقها وما أعقب وفاته يمثل شكلا كلاسيكيا من هذه الظاهرة العاطفية، والصيد السياسي في قضايا أكبر من أن يعبث بها. ففيصل الحسيني وقف موقفا معقولا من الاحتلال العراقي للكويت، إلى درجة أن يوم وفاته، وهو يوم الخميس الماضي، خرجت جريدة القدس التي تصدر في لندن شاتمة وشامتة، شاتمة لمضيفيه من الكويتيين، وشامتة فيه، وهو صيد سياسي لا يوفر أحدا. وفي الوقت الذي تناهض فيه جماهير غفيرة في الكويت وفي الخليج الاحتلال الإسرائيلي وتندد بأعماله الوحشية في فلسطين، فإن هذه الجماهير تتحفظ على بعض القيادات الرئيسية في السلطة، وفي الوقت نفسه الذي تناهض فيه بعض الأوساط والقوى الفلسطينية رموز السلطة بسبب سياستهم التي أدت إلى اتفاق أوسلو وغيره من الاتفاقات. وتزعم السلطة من جانبها أنها الممثلة الوحيدة للشعب الفلسطيني، وبالتالي فهي تعتبر أن كل من له موقف معارض لها أو لسياساتها إنما هو معارض «لطموحات الشعب الفلسطيني»! لا توجد ضبابية أكثر من هذه الضبابية، ولا حيرة سياسية أعمق من هذه، ولأن السياسة في بعض تعاريفها هي «عملية وحشية» لا تعترف بالعواطف إلا في مظاهرها الخارجية، ولكنها تعمى بالغضب، فلقد ظهر ذلك جليا في الأسبوع الماضي عندما وظف الغضب، وفتحت فوهته، حيث ظهرت أصوات فلسطينية تدغدغ عواطف العامة، وتدعي بما ليس حقيقيا في وفاة الشهيد! والموضوع برمته يطفح بالمواقف العاطفية شديدة التفجر، فلم يكن الموقف الفلسطيني الرسمي (وأقصد هنا الجسم الفلسطيني الرسمي الرئيسي) موقفا متوازنا إبان الاحتلال العراقي للكويت، بل إنه حتى لم يكن محايدا. ويكفي الإلمام ببعض الوثائق التي كتبت بحياد كبير، منها الكتاب الذي أصدره الصحافي الفلسطيني توفيق أبو بكر العام الماضي بعنوان «الفلسطينيون في الكويت» للتعرف على ذلك الموقف الرسمي للسلطة الفلسطينية، الذي أقل ما يوصف به أنه خذلان بالغ الأثر والتأثير لشعب عربي صغير لم يتوان في تقديم كل جهد ممكن، بل وبذل كل الدعم للقضية الفلسطينية طوال تاريخها. ولكن السؤال يبقى: كيف يمكن بالضبط التفرقة بين الجانب الإنساني لمسئول ما له مواقف إيجابية مشهودة، والجانب الوظيفي لهذا الشخص، باعتباره مرتبطا سياسيا بمؤسسة لها سياسات مخالفة؟ تفترض الإجابة عن هذا السؤال القول بأن استمرار قيادة ما في التكتيكات ضيقة الأفق يقود إلى هذا الخلط وأكثر. إن الوفاة المفاجئة لمناضل فلسطيني هو المرحوم فيصل الحسيني على أرض الكويت، وهو يتأهب لافتتاح المؤتمر الشعبي الخليجي الثاني الذي يعقد لمقاومة التطبيع في منطقة عربية لا تزال على عهدها، مقاومةً - شعبيا ورسميا - لأي تطبيع، رافضة لأي حجج دون النصرة الكاملة للشعب الفلسطيني، هذه الوفاة، وفي هذا الظرف، تمثل موقفا تراجيديا يفرض على العقلاء النظر مجددا لهذا الملف الشائك والمعقد نظرة تنأى على اللحظة الآنية، وتتجاوز السطح والطبيعة الشخصانية للحدث، نظرة تتسلح بالموضوعية و تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشعبين، ذلك أن الأفراد مهما طال عمرهم فانون ... بينما الشعوب هي الباقية. ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بالكويت