أحيانا أشعر في باريس كأني في عاصمة عربية. ربما لأنني أتحرك في دائرة عربية، من أصدقاء وأدباء أقاموا هنا. وشئون خاصة بالترجمة، وتنوع أنشطة، الليلة اتجه الى معهد اللغة والحضارة العربية، مؤسسة خاصة، أسسها الدكتور عاصم عبدالحميد. خبير اعلامي ورجل أعمال مصري، عمل في العقدين الأولين بالتلفزيون المصري، وخرج الى أوروبا من مصر في بداية السبعينيات، وهو الآن من شخصيات الجالية المصرية البارزة في باريس. مدير المعهد الدكتور أسامة خليل الباحث واستاذ الفلسفة، يقيم المعهد أنشطة ثقافية عديدة، منها تلك الندوات التي يحضرها عدد قليل من الباحثين المتخصصين فيما يشبه مائدة مستديرة، ويتم خلال جلسات مركزة مناقشة موضوع معين، أتيح لي خلال الشهر الأخير المشاركة في ندوتين، الأولى مع الصديق محمد البساطي وكان موضوعها حضور الأدب المصري في فرنسا، والثانية حول الترجمة الجديدة لابن خلدون. الباحث المغربي الذي أمضى ربع قرن في ترجمة المقدمة في الخامسة والثلاثين، اسمه عبدالسلام شدادي بدأ حديثه عن المفكر الكبير قائلا ان المعرفة العلمية التي توصل اليها كانت منطلقة ومعتمدة على الاجتهاد الشخصي، وتكاد البدايات العلمية تكون غير واضحة. الى جانب أن حياته كانت ممزقة بين العلم والسلطة والسياسة والمسائل المعرفية، كان ذلك يشكل تمزقا في حياته. لذلك ظل غير مقتنع وغير مستقر على المستوى النفسي. ومن حياة علمية طاولت الخمسين سنة هناك فقط عشرات السنوات امضاها داخل السلطة في العمل الوظيفي. عندما عمل قاضيا في مصر. في المغرب تحدث كثيرا عن عمله لكنه لم يكشف عن طبيعة هذا العمل. وفي مصر أمضى ثلاثة وعشرين سنة، كانت اقامة خصبة لأنه وجد الكثير من الوثائق التي تلزمه، في القاهرة، تولى القضاء، وأدخل فيه اصلاحات مهمة. هنا ألاحظ حرية الحركة التي كان يتمتع بها المفكر أو العالم في الثقافة العربية. مايقدمه علمه وثقافته، من هنا يجيء الى القاهرة، الى دمشق، الى مكة، الى صنعاء، الى شيراز، ويحتل موقعا مهما، لا حساسية ولا صعوبات، لو قرأنا تاريخ وتراجم علماء الازهر لاكتشفنا ذلك بسهولة، تنوع الاعراق والأصول، وعمق ووحدة الثقافة، استمر ذلك حتى العصر الحديث، وفي القرن العشرين تولى مشيخة الأزهر عالم تونسي جليل هو الشيخ محمد الخضر حسين. وأتيح لي في طفولتي أن أرى وأسمع شيخا جليلا مهيبا من الجنوب، هو الشيخ صالح الجعفري. وله الآن ضريح مهيب وطريقة صوفية تعرف باسمه. أعود الى الباحث المغربي عبدالسلام شدادي، نموذج لجيل جديد من الأساتذة في المغرب الذين أتقنوا الثقافتين، العربية والأوروبية، خاصة الفرنسية، وهناك اسماء عديدة تثري الثقافة العربية من هذا المنطلق. كان ابن خلدون يعيش وحيدا في مصر. اذ فقد أسرته في وباء الطاعون الذي اجتاح تونس وقضى على جميع أفراد عائلته. جاء الى مصر بمفرده وعاش وحيدا، أدى ذلك الى وحدته وانطوائه. يلاحظ عبدالسلام شدادي ملمحا مهما في شخصه. اذ كان موزعا دائما بين كونه مؤرخا ورجل سلطة وعالما وفي هذا الخضم كون لنفسه ثقافة موسوعية انعكست في مؤلفاته، ماذا نجد فيها؟ سنجد أول اسس علم الاجتماع العام والذي يسميه ابن خلدون علم العمران. ثم سنجد علما يتناول السلطة والعلاقات الإنسانية، ثم تاريخ العلوم، ثم التاريخ والأدب، ربما يكون ابن خلدون أول من كتب التاريخ العالمي بطريقة حديثة . وذلك من خلال تجديده للكتابة وتطويره لمنهج فلسفة التاريخ، هنا يؤكد عبدالسلام شدادي أن ابن خلدون لم تتم دراسته حتى الآن كما يجب، ولم يكشف بعد أبعاد نتاجه المختلفة. من أجمل الأوصاف التي أعجبتني في حديث عبدالسلام شدادي وصفه لثقافة ابن خلدون بأنها نتاج حدود، فهو ينهل من الثقافة الاسلامية مفاهيم عدة، ومن القانون، ومن التاريخ. ويستخدم المفاهيم الدينية والعلمية والقانونية والصوفية في نتاجه، ومقدمته الشهيرة هي نتاج هذه المفهوم، انها ثمرة الثقافة العربية ولكنه يتجاوزها ايضا بتقديم الحديث، المفاهيم الجديدة، كان مستوعبا للثقافة الاسلامية. منفتحا على الثقافات الاخرى، في حالة جدل معها، كان مراقبا ومعاينا من الطراز الأول، اعتمد على تجاربه الخاصة وملاحظاته، لذلك أضاف ما لم يكن موجودا قبله. يؤكد عبدالسلام شدادي أن عبقرية ابن خلدون لم تدرس بعد، وانها لاتزال تشكل تحديا، ويقول انه لم يع هذا التحدي الا بعد ربع قرن من دراسته ومعايشته، وبعد هذا الوقت كله لا يمكنه تقديم اجابات واضحة، أو محددة. الاجابة تقتضي جيلا وراء جيل من الباحثين. ان التحدى الذي يفرضه ابن خلدون لا يرتبط به وحده. لكنه يرتبط بالثقافة العربية والاسلامية كلها. لقد استوعب أصول وجوهر الثقافة الاسلامية وانطلق منها الى استيعاب الثقافة الاخرى، ومحاورتها. وبالتالي أتي بجديد، ليس في اطار الثقافة الاسلامية فقط. ولكن في اطار الثقافة الانسانية. ويؤكد الباحث المغربي أيضا أن المغرب لم يدرس ابن خلدون بعد كما ينبغي ولم يحدد اطاره داخل السيرة الداخلية، التاريخية. في اطار الثقافة الاسلامية وثقافة البحر الأبيض. بعد انتهاء عبدالسلام شدادي من تقديم مفهومه النظري لابن خلدون ومقدمته، تحدث المفكر الجزائري محمد اركون والذي تعرفت عليه منذ أكثر من عشرين عاما، وقرأت ابحاثه العميقة التي ترجمت الى العربية، خاصة دراسته الرائعة عن أبي حيان التوحيدي، وعلى المستوى الشخصي ارتبطت بصلة حميمة رغم تباعد لقاءاتنا التي لا تتم عادة الا في باريس. قال العلامة محمد اركون معقبا، انه لم يكتب عن نتاج ابن خلدون لانه غير مكتمل بعد، وانه ينتظر الترجمة المتكاملة للمقدمة التي انجزها عبدالسلام شدادي والتي ستصدر عن دار جاليمار العام المقبل، وأنه يتمنى أن يسفر هذا عن قاموس للمصطلحات التي يستخدمها ابن خلدون، وفي رأيه أن الأهم من الكشف عن فكر ابن خلدون، معرفة ماكانت تحتويه مكتبة المغرب العربي من كتب علمية وتاريخية. والصلات الفكرية بين المغرب والمشرق. وأكد على فكرة مشروع القاموس الخلدوني. المفكر العربي جورج طرابيشي (لبنان) بدأ حديثه متسائلا عن الفترة التي عاصر فيها الواقع في المغرب خاصة في قلعة ابن سلامة، كيف رصد ابن خلدون هذا الواقع ثقافيا وتاريخيا، كيف جمع بين الثقافة الشفهية والمكتوبة. لقد لخص كل الثقافات السابقة عليه، اخترق المحرمات التي كانت تشكل سدودا على الفكر، لقد ابدع علما جديدا، هو علم الحداثة. المثقف والباحث المغربي رشيد صباغي. والذي اكتشفته علميا وإنسانيا، خلال الندوة التي اقامها المركز عن حضور الأدب المصري في فرنسا، استاذ من المغرب يعين ويدرس في فرنسا منذ ربع قرن، قال متسائلا: كيف يمكن ترجمة المصطلح الخلدوني (علم العمران) الى الفرنسية. لقد درس ابن خلدون الثقافتين المدنية والريفية، عندما نقرأ نصه لا يمكننا أن نعزله عن سياقه التاريخي. الدكتور مجدي عبدالحافظ، الاستاذ والباحث المصري، قال انه من خلال دراسته لابن خلدون لاحظ انه كان محبطا، كان عنده طموح اليأس، كان موزعا مابين المغرب ومصر. الدكتورة كاميليا صبحي، استاذة الأدب الفرنسي بجامعة القاهرة، تساءلت عن الصعوبات التي واجهها المترجم. المفاجأة التي أدهشتني، أنه لا توجد طبعة كاملة محققة في العربية للمقدمة، هذا ما أكده عبدالسلام شدادي، لقد ترجمت لأول مرة الى الفرنسية في القرن التاسع عشر، غير أن الترجمة التي قام بها فنسان مونتاني لم تكن كاملة، هناك طبعة أخرى لكاريكاتير بالفرنسية، اعتمد فيها على نسخ موجودة في المكتبة الوطنية، بالنسبة للعربية تعد أفضل طبعة تلك التي قدمتها مطبعة بولاق المصرية في القرن التاسع عشر، المؤكد انه حتى الآن لا يوجد نص مطبوع كامل، هناك طبعة جيدة لروزنتال. هنا علق محمد اركون قائلا ان طبعة روزنتال غير موجودة. الترجمة الجديدة ستصدر عن دار جاليمار ستأخذ في الاعتبار كل النصوص السابقة، وستضم المقدمة وتاريخ ابن خلدون في مجلدين. بعد ساعات من النقاش الممتع في هذا النشاط الثقافي المتميز الذي ينظمه صديق قديم، لم يبعده نجاحه المادي والعملي عن ثقافته وهمومها، فنظم وادار وأنشأ هذا المعهد الذي يعد نواة لمعهد ثقافي كبير يقدم الثقافة العربية في باريس ويضيف الى المراكز الأخرى. كنت أفكر في صديقي الدكتور عاصم عبدالحميد مؤسس المعهد، وفي الندوة الحلزونية، معجبا بالوجوه والاسماء الجديدة التي اكتشفها خاصة من المغرب الشقيق، واتعجب مماعرفته عن عدم وجود نص كامل. محقق للمقدمة بالعربية. وهذا يعني عند صدور الترجمة الكاملة في العام المقبل من دار النشر الكبرى جاليمار، ان المقدمة ستوجد كاملة بالفرنسية، وتظل ناقصة بالعربية، اللغة الأصل التي جاءت منها وابدعت في ثقافتها!!