أمريكا ومعارضوها داخل مجلس الامن الدولي متفقون وغير متفقين في آن معا بشأن مستقبل نظام العقوبات المفروضة على العراق. فكيف ينتهي المسلسل؟ لقد انضمت القوى الدولية المعارضة الثلاث، روسيا والصين وفرنسا، الى الولايات المتحدة، فصدر قرار بالاجماع في مجلس الامن يقضي بتجديد برنامج النفط مقابل الغذاء لفترة شهر واحد عوضا عن ستة شهور. والتمديد الزمني في حد ذاته ليس الهدف المقصود من وراء هذا القرار وإنما الهدف هو ان تستغل الدول الكبرى الخمس دائمة العضوية في مجلس الامن هذه السانحة الزمنية لمحاولة التوصل الى توافق اجماعي بينها يقرر مستقبل نظام العقوبات الذي ظل مفروضا على العراق لمدى الاحدى عشرة سنة الاخيرة. ولكن مع توفر اجماع بين هذه الدول الخمس على انه آن الأوان لمراجعة نظام العقوبات القائم بهدف تغييره فإن هناك خلافا اساسيا يشطر هذا الاجماع الى فريقين متضادين بشأن المصير المستقبلي للعقوبات. لقد تجسد هذا الخلاف بصورة اوضح من اي وقت مضى عندما تقدمت الولايات المتحدة بمشروع أطلقت عليه «العقوبات الذكية» والهدف الامريكي من هذا المشروع هو تغيير الآلية الشكلية لنظام العقوبات القائم مع عدم المساس بجوهره. فالمشروع يدعو الى تسهيل وتسريع حصول العراق على السلع المدنية مع استمرار حظر حصوله على سلع عسكرية او سلع مدنية تصلح ايضا للاستخدام العسكري وذلك وفق قوائم معينة تحدد سلفا بصورة جلية باتفاق كامل بين الدول الكبرى الخمس. لكن وفقا للمشروع تبقى السيطرة المالية للامم المتحدة على موارد العراق المالية بصورة كاملة دون اي تغيير. لقد ووجه المشروع بمعارضة من الوهلة الاولى من قبل الدول الثلاث روسيا والصين وفرنسا فلم تقف الى جانب الولايات المتحدة سوى بريطانيا. وخشية واشنطن من ان يتعرض المشروع الى فيتو روسي يؤدي لنسفه نهائيا هي التي اضطرتها للدخول في اتفاق مع المعارضين بتأجيل امر النظر في العقوبات برمته لمدة شهر كما نص القرار الاجماعي المشار اليه آنفا. والسؤال المطروح هو: ماذا يمكن ان يحدث بعد انقضاء فترة الشهر؟ ان «مراجعة» نظام العقوبات القائم تعني لدى كل من روسيا والصين الغاءه بالكامل ورد اعتبار السيادة المالية الكاملة الى العراق واذا كانت الولايات المتحدة على النقيض الآخر تريد الابقاء على العقوبات سارية المفعول لاجل غير مسمى فإنه تبرز حاجة قوية الى معادلة وسطية بين الفريقين المتصارعين. وربما تستقر المساومات اخيرا على اقتراح قديم سبق ان تقدمت به فرنسا يمثل هذه المعادل الوسيطة، فالاقتراح الفرنسي يدعو الى استبدال نظام العقوبات الراهن بنظام مراقبة مالية دولية من على البعد على كيفية تصرف العراق في امواله، بمعنى رفع العقوبات على العراق واسترداد بغداد سيادتها المالية كدولة عادية تمارس حريتها في ميدان التجارة العالمية ولكن في الوقت نفسه تعين هيئة دولية من ممثلي الدول الاعضاء الخمس الكبرى تكون مهمتها ان ترصد من بعد مشتريات العراق العسكرية للتأكد من أن بغداد لن تلجأ الى اقتناء اسلحة او مواد الدمار الشامل. واذا تبنى المعارضون الثلاثة هذه الصيغة الوسطية فإن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها امام خيارين: اما الموافقة على الصيغة او المخاطرة بتحول الخلاف داخل مجلس الامن الى انشقاق ينطوي على احتمال تصرف الدول الثلاث بطريقة احادية بالخروج نهائيا على نظام العقوبات القائم.