بدأ يوفجيني بريماكوف رئيس وزراء روسيا السابق جولة استطلاعية في خمس دول عربية، حاملا معه رسائل من الرئيس فلاديمير بوتين، من المتعين تسليمها إلى قادتها، مما يعني أن مهمته سوف تشمل إجراء مشاورات دبلوماسية حول مضمون تلك الرسائل، وما يتعلق منها بالعلاقات الثنائية وغيرها من القضايا الإقليمية والدولية، وبينها بالضرورة مأزق السلام العربي الإسرائيلي، كون روسيا شريكا أصيلا لأمريكا في رعاية عملية السلام، وحشد الإجماع العربي المضاد لمنظومة الدفاع الصاروخي الذي تتبناه إدارة الرئيس بوش، كآلية عسكرية ضمن آليات الهيمنة الأمريكية على قدرات العالم. والشاهد أن اختيار بريماكوف للقيام بهذه المهمة الحيوية بعد فترة من ركود العلاقات العربية الروسية، موصول بعلاقاته السابقة مع العديد من الزعامات العربية والنخب السياسية والفكرية والثقافية كذلك، مما يؤهله للفهم والإحاطة بأدق تفاصيل المواقف العربية الرسمية والشعبية تجاه القضايا ذات الاهتمام المشترك خلال فترة جولته المحدد لها أسبوعين فقط، وتشمل سوريا والأردن ومصر وتونس، خاصة وإن خبراته بأوضاع المنطقة عنده منذ الستينيات، إبان كان مراسلا صحفيا إقليميا في القاهرة لصحيفة «برافدا» وإلمامه الواسع باللغة العربية والعديد من لهجاتها المحلية، وتأصيل إدراكه المعرفي بالتاريخ والثقافة العربية خلال رئاسته أكاديمية الاقتصاد والسياسة التي كانت تخرج الكوادر المرشحة لشغل الوظائف العليا في الاتحاد السوفييتي، وكذا رئاسة جهاز المخابرات العتيد (كي.جي.بي)، وربما من هنا كان تكليفه للقيام بدور دبلوماسي عاجل إبان أزمة الخليج الثانية عام 1990، لإقناع الرئيس صدام حسين بسحب قواته سريعا من الكويت، وتجنب الصدام العسكري الوشيك مع قوات التحالف الدولي بزعامة أمريكا، لكنه لم يستجب، وبعدها صدر كتاب بريماكوف «مهمة في بغداد» وروى فيه أراء مهمته المثيرة، فيما جمعني معه من قبل عام 1960 الرفقة الصحفية خلال متابعة أعمال مؤتمر باليمن، وهو ما يشي بخبراته النظرية والميدانية في حقل الشئون العربية، لكن يظل أعظم إنجازاته السياسية والفكرية عندما وضع وزميله بلايين مراسل البرافدا الأسبق بالقاهرة كتابا مشتركا عن جمال عبد الناصر وثورة يوليو، أثار جدلا واسعا في أوساط الحزب الشيوعي والقيادة السوفييتية، وقد أسهم كتاب بريماكوف وبلايين في تطوير موقف الإتحاد السوفييتي تجاه حركات التحرر بشكل عام وعبد الناصر وثورة يوليو تحديدا، وهو ما أدى لحصول مصر على صفقات.. هائلة من السلاح الحديث الذي كان يعد من أسرار الترسانة السوفييتية وخاصة خلال نكسة يونيو 1967، بينما لم يكن في حوزة أي من دول حلف وارسو آنذاك. ولعله لم يعد خافيا الآن أن الصواريخ المضادة للطائرات طراز (سام )، وكذا الطرازات المتقدمة لطائرات (الميج )، كانت طواقمها القتالية السوفييتية تنهض بعمليات في البداية وسقط منهم قتلى خلال حرب الاستنزاف، إلى حين تم تدريب الطواقم المصرية البديلة، ورغم أن موسكو كانت تتهاود مع مصر في تسديد ثمن تلك الأسلحة، وتنازلت بالفعل عن معظمه مقابل سلاح قواتنا في اليمن، إلا أنها لم تسلم وقتئذ من شائعات وأقاويل اليمين الرجعي عبر إتهامه السلاح السوفييتي بأنه يصلح للدفاع وليس الهجوم، ثم جاءت حرب أكتوبر 1973 تؤكد إنتصارنا لأول مرة على إسرائيل بفضل الإرادة العربية والمقاتل العربي والقيادة العربية والتخطيط الدقيق والتدريب الشاق أولا ثم السلاح السوفييتي ثانيا، ولعلنا نذكر حين استحكمت حلقات الحصار الاقتصادي الأمريكي حول مصر إلى حد التجويع، الأمر الصادر من موسكو إلى البواخر السوفييتية التي تحمل القمح بالتوجه فورا إلى ميناء الاسكندرية، وربما من هنا نترحم على تلك الأيام ونحن نكابد إنفراد أمريكا اليوم بقطبية الزعامة في العالم، وتحالفها الإجرامي مع إسرائيل في التنكيل بالفلسطينيين دون وازع من الشرعية الدولية أو قوة رادعة في المقابل ! مرحبا إذن بصديق العرب بريماكوف وهي فرصة للتفاكر والحوار واستعادة النبض والملحمة في العلاقات المشتركة، فمازالت روسيا برغم مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والأمنية الصعبة، قوة عالمية ونووية وصاروخية تعمل لها أمريكا الف حساب، وعلينا أن نرد لها الجميل عبر الاستثمارات العربية في العديد من مشاريعها الكبرى المتاحة والمجزية، وأن نقف معها ومع الصين وكوريا وكل الدول والشعوب التي ترفض المنظومة الأمريكية للصواريخ الدفاعية كآلية للهيمنة على مقدرات العالم، ونحسب أن العرب أول المستهدفين بمخاطرها وأن دعمنا للموقف الروسي إنما هو دعم ضمني لنا في صراعنا التاريخي المحتوم مع إسرائيل، بشرط أن نفهم قواعد اللعبة وإدارتها بحذق ووعي لصالحنا! ـ كاتب مصري