انتهز الرئيس جورج دبليو بوش فرصة الأيام القليلة الاخيرة للسيطرة على مجلسي الكونجرس كليهما، وقام بتمرير صيغة مخففة من اقتراحه بالخفض الضريبي خلال الاسبوع الماضي. وقد يكون هذا الفوز آخر انتصار سهل يحرزه الرئيس الامريكي، فقد انتهت السيطرة الجمهورية على الاجندة السياسية لواشنطن مع قرار السناتور جيمس جيفورد المثير للذهول بترك الحزب الجمهوري والتصويت مع الاعضاء الديمقراطيين في مجلس الشيوخ باعتباره مستقلا. وكان الجمهوريون يسيطرون على مجلس الشيوخ بفارق بالغ الضآلة، ومع انقسام المجلس بنسبة 50% لكل من الحزبين كان صوت نائب الرئيس باعتباره عضوا بحكم الامر الواقع في المجلس هو الذي يعطي ارجحية للحزب الجمهوري. وقد ادى انتقال جيفورد الى اعطاء الديمقراطيين اغلبية 50% مقابل 49% للجمهوريين، ومعها القدرة على اعادة تنظيم هيكل المجلس وتحديد اجندته السياسية. وطوال الاسبوعين الماضيين غرقت واشنطن في النقاش حول المسئولية عن انتقال جيفورد والتكهنات المتعلقة بتأثيره على الحياة السياسية والتطورات المستقبلية الخاصة بإدارة بوش. وقد تراوحت على نحو يمكن التنبؤ به التحليلات التي قدمها الجمهوريون والديمقراطيون، ووصف القادة الجمهوريون انتقال جيفورد بأنه خطوة هينة الشأن كان الحافز للقيام بها هو الطموح الشخصي، وأشاروا الى ان جيفورد من الناحية العملية تمت رشوته بوعود بدور قيادي في مجلس الشيوخ الذي يقوده الديمقراطيون. وعلى الرغم من ان عضوين جمهوريين معتدلين في مجلس الشيوخ قد شعرا بخيبة الامل ازاء قرار زميلهما. الا انهما قدما تقويمات مؤيدة، وأبلغت اوليمبيا سنو، عضو مجلس الشيوخ عن ولاية مين، البيت الابيض بقولها: «ان شيئا ما يتعين الآن تغييره وينبغي ان يكون هناك المزيد من الاهتمام والاستيعاب والتسامح» وأشار جون ماكين، العضو النشط بمجلس الشيوخ والذي خاض الانتخابات الاولية في عام 2000 الى ان موقف جيفورد «يشكل تحذيرا لجمهوريي المؤسسة. وإذا فكرتم في التهديد بالرد والانتقام وانزال العقاب بالناس لانهم لا يقترعون على نحو ما تريدونهم ان يقترعوا تماما، فانكم ستدفعون ثمن ذلك». ومن جانبه اعرب جيفورد عن ضيقه بالاتجاه اليميني المجرد من التسامح في الحزب الجمهوري، وربما جاءت الضربة الاخيرة بعد ان صوت جيفورد لصالح تقليل الخفض الضريبي الذي اقترحه بوش (من مبلغ الـ 1.6 تريليون المقترح الى 1.35 تريليون دولار) واقترح البيت الابيض في رد انتقامي جلي تعليق التمويل لأحد البرامج التعليمية الاثيرة لدى جيفورد وبرنامج للمزارع يحتاجه مزارعو مزارع منتجات الالبان المنتمون الى الولاية التي يمثلها. وفي فيرمونت لم يبد جيفورد تأييدا اقل للموقف الذي تبناه، ومنذ فوزه الانتخابي الاول في السبعينيات حصل عضو مجلس الشيوخ المستقل وذو الشعبية الكبيرة هذا على التأييد من جانب ما يزيد على ثلثي الناخبين. وتوضح استطلاعات الرأي الاخيرة انه لا يزال يحظى بهذا التأييد عينه في فيرمونت، وهي ولاية يحظى الديمقراطيون او المستقلون بكل المناصب المنتخبة الاخرى فيها. ويشير هذا الى عنصر كامن يبرر انتقال جيفورد وهو وجود معركة ثقافية واقليمية داخل الحزب الجمهوري فمنذ اربعين عاما كانت الولايات العشر التي تشكل نيوانجلاند ووسط شمال شرق المحيط الاطلسي ولايات جمهورية بنسبة الثلثين، ولكنها اليوم جمهورية بنسبة الثلث فحسب، والكثير ممن لا يزالون جمهوريين يعبرون من بين الاعضاء الاكثر ليبرالية في حزبهم. ومنذ الستينيات انتقل الحزب الجمهوري بصورة متزايدة باتجاه اليمين وفي السبعينيات والثمانينيات وعلى نحو يعد في احد جوانبه رد فعل على حركة الحقوق المدنية وميلاد اليمين المسيحي كقوة سياسية انتقال مركز الثقل بالنسبة للحزب الجمهوري من الشمال الشرقي والغرب الاوسط الى الغرب ومن ثم الى عمق الجنوب ودفعت الاشكال الاكثر محافظة ايديولوجيا والاقل تسامحا للنزعة الجمهورية التي تمثلها هاتان الحركتان بالحزب الى فقدان التأييد بصورة متزايدة في الشمال الشرقي. ما الذي سيحدث عقب ذلك؟ ان هذا السؤال يتعين النظر اليه على ثلاثة مستويات. يتعين على البيت الابيض الآن ان يتعلم التعايش مع حكومة منقسمة على نفسها وبالمعنى الحقيقي فقد كانت منقسمة بالفعل، فبالكاد انتزع بوش فوزا في انتخابات عام 2000 ومجلسا الشيوخ والنواب منقسمان مناصفة تقريبا، ولكن على الرغم من ان بوش خاض غمار الانتخابات باعتباره منتميا الى الوسط الا انه يعتز بأن يشار اليه باعتباره «اكثر محافظة من ريحان» وقد حاولت قيادة الكونجرس الجمهورية التغلب على المعارضة من دون ان تنحني للقبول بحل وسط. ويشير بعض المحللين الى اوجه للتشابه مع العامين الاوليين لشغل بيل كلينتون لمنصب الرئيس، فقد خاض بدوره غمار الانتخابات باعتباره مرشحا للوسط، ولكنه حكم خلال العامين الاوليين من رئاسته من موقع اليسار. وبعد ان فقد السيطرة على الكونجرس في عام 1994 اضطر الى الانتقال الى الوسط والسيطرة بامتصاص الكثير من عناصر اجندة معارضيه. ويرى المحللون انه لكي ينجح بوش فيما تبقى من فترة رئاسته فإنه يتعين عليه بدوره الانتقال الى الوسط والعمل مع خصومه وإلا فإن جهوده ستواجه نفقا مسدودا في مجلس الشيوخ. لقد مرر الرئيس الامريكي خفضه الضريبي المقترح، ولكنه يتعين عليه الآن تمرير ميزانيته، وفي هذه المعركة فإن الديمقراطيين سيفضلون على الارجح من اجل اولوياتهم، كما ان الرئيس سيواجه وقتا اشد صعوبة في ضمان الموافقة على من يختارهم بعضوية المحكمة العليا ولشغل مناصب الادارة. كما ان بعض المشروعات التي يراهن عليها والتي تعد اكثر اثارة للجدل ستواجه صعوبات كذلك حيث سيجري تمحيصها بدقة من جانب مجلس الشيوخ الذي تقوده المعارضة. وفي مجلس الشيوخ الجديد فإن رؤساء اللجان العشرين جميعا سيتغيرون من القيادة الجمهورية ليصبحوا من اعضاء القيادة الديمقراطية. وسيتولى سناتور ادوارد كيندي من ولاية ماسا شوستس رئاسة لجنة الصحة والتعليم والعمل وسيعارض اقتراح بوش بتقديم حوافز محولة فيدراليا تسمح للآباء بتجنب الحاق ابنائهم بالمدارس العامة اذا رغبوا في ذلك، كما سيوضح بوش باتجاه مقترحات ليبرالية لزيادة الحد الادنى للاجور في الولايات المتحدة ولدعم حقوق الآباء ولمقاضاة ما يسمى بمنظمات الادارة الصحية في حالة وقوعها في اساءة ممارسة مهنة الطب. وسيتولى السناتور باتريك ليحي مسئولية اللجنة القضائية وسيدفق عن كثب في كل مقترحات الرئيس الخاصة بالمرشحين لمناصب قضائية. وفي الغالب سيقوم سناتور كارل ليفن الذي يتولى الآن رئاسة لجنة الخدمات المسلحة بمعارضة اقتراح الادارة المثير للجدل الخاص بالدرع الدفاعية الصاروخي. ومع وجود سناتور جوزيف بيرن على رأس لجنة الشئون الخارجية فان مفهوم الادارة عن الغاء معاهدات الاسلحة مع روسيا سيتم التصدي له، ولن يتحسن وضع الشرق الأوسط إلا قليلا مع تراجع مرتبة جيسي هيلمز المتشدد في المحافظة. ومع تولي الديمقراطيين المسئولية عن لجنتي الطاقة والبيئة فان اقتراح الرئيس المثير للجدل والقاضي بزيادة التنقيب عن النفط في محمية الاسكا القومية للحياة البرية سيتم التصدي له. وأخيرا مع عودة سناتور روبرت بيرد الى السيطرة على لجنة المخصصات بعد الابتعاد عنها لمدة ست سنوات فان الديمقراطيين سيحظون بتأثير قوي في عملية اقرار الميزانية. وكما كان الجمهوريون بعيدين عن الحكمة في الاستهانة بكلينتون بعد موجة فوزهم الكاسحة في عام 1994 فان الديمقراطيين سيتعين عليهم الحرص على عدم الانطلاق بالأمور الى أكثر مما ينبغي عند هذا المنعطف. فالرئيس بوش يمكنه أن يكون سياسيا قديرا، ولا يزال بمقدوره إذا ما جعل موقفه معتدلا فيما يتعلق ببعض القضايا أن يكسب قدرا كافيا من التأييد في مجلس شيوخ منقسم بصورة متقاربة. ومن خلال تحذير حزبه فان السناتور الديمقراطي المعتدل زيل ميللر ممثل ولاية جورجيا وجه التحذير من ان: «ما تمس اليه الحاجة الآن هو المزيد من المسايرة وقدر أقل من التنافس». وسيتعين على الديمقراطيين بالطبع أن يتذكروا انه كما ان انتقال جيفورد قد وضع مقاليد السلطة في يدهم فان فقدان منتم إلى صفوفهم يمكن أن يقلب المائدة عليهم. وإذا لزم الديمقراطيون الحذر في ممارسة سلطتهم الجديدة، فان بمقدورهم ان يجدوا أنفسهم في وضع جيد بالنسبة لانتخابات الكونجرس لعام 2002 ومع خوض غمار الانتخابات العام المقبل لشغل 34 مقعدا في مجلس الشيوخ فان الديمقراطيين يتمتعون الآن بعنصر التفوق، وبينما يعد معظم هذه المقاعد مضمونا فان 12 منها على الأقل سيحتدم التنافس حولها (5 للديمقراطيين و7 للجمهوريين) وتولي المسئولية يعني ان الديمقراطيين سيواجهون صعوبات أقل في الحصول على التبرعات، وسيجدون ان من الأسهل الوصول إلى مرشحين مؤهلين يواجهون بهم الجمهوريين، والأكثر من ذلك ان بعض رؤساء اللجان الجمهوريين الذين يعانون بالفعل من درجة من تدني المعنويات يتردد انهم يفكرون في التقاعد، الأمر الذي قد يتيح فرصا جديدة للديمقراطيين لتوسيع الهامش الذي يتمتعون به في مجلس الشيوخ. ـ رئيس المعهد الأمريكي العربي